مقدمة

(مضى عليها أكثر من ٤٧ عاماً)

الكلمةُ مسؤوليةٌ؛ هكذا تعلَّمنا من ديننا الحنيفِ، وهكذا أملى علينا واقعُ الحياةِ. إنها مسؤوليةٌ حينَ تنطلقُ من عِقالِ اللسانِ، ثم تشتدُّ وتعظُمُ حينَ تُخَطُّ على الورقِ وتُنشَرُ لتُقرأَ؛ فللكلمةِ المكتوبةِ أثرٌ في القارئِ سَلباً أو إيجاباً، ومن ثَمَّ أثرٌ في المجتمعِ من ورائه. وليست تَبِعةُ هذا الأثرِ وقفاً على الأديبِ الكاتبِ وحدَه — شاعراً كانَ أم ناثراً — بل هي مسؤوليةٌ ثنائيةٌ يتقاسمها القارئُ والكاتبُ، أو قُلْ: المُبدِعُ والمتلقّي.

فإن كانت مسؤوليةُ المُبدِعِ ظاهرةً بيِّنةً، لأنه أصلُ السببِ في خلقِ هذا الفنِّ وبَعثِ هذا الأثرِ، فإنّ للمتلقّي بدورِه نصيباً في صناعةِ ذلك الأثرِ؛ إذ يتلقّى الكلمةَ على قَدْرِ ثقافتِه وبيئتِه ومفاهيمِه وميولِه وكلِّ ما تربَّى عليه. ورُبَّ قولٍ يُطرِبُ طائفةً من القُرّاءِ ويُغضِبُ أخرى، والعكسُ صحيحٌ. فالإيحاءُ الذي تحملُه الكلمةُ في جَوفِها وإيقاعِها وموقعِها، يُضيفُ إليه القارئُ إيحاءً من عندِه، فيتولَّدُ من الإيحاءَينِ معاً معنىً خاصٌّ به وحدَه: قد يَطرَبُ له، وقد يَحزَنُ، وقد يَغضَبُ.

وكمْ من كلمةٍ فُسِّرتْ على غيرِ وجهِها الصحيحِ، فجاءَ رَدُّ الفعلِ مُعاكِساً تماماً للوجهةِ التي قصَدها الكاتبُ أو أرادَ أن يرسُمَها. ولهذا كانَ مُحالاً أن يُرضيَ كاتبٌ الناسَ جميعاً؛ فالاختلافُ على ما يقولُ المرءُ وما يكتُبُ واقعٌ لا مَحالةَ، وتأرجُحُ الإحساسِ بينَ الإعجابِ والتقديرِ من جهةٍ، والاشمئزازِ والنفورِ من جهةٍ أخرى، أمرٌ لا رَيبَ فيه.

ومن أرقى أنواعِ الكلامِ — في تقديري — الشِّعرُ؛ ولذلكَ كانَ جمهورُه ورُوّادُه والمُجيدونَ له قِلَّةً أبداً. فهو كالألماسِ بينَ المعادنِ، لا يقتنيه إلا الأثرياءُ، ولا يتذوّقُه ويُحِسُّ به ويتفاعلُ معه إلا الأثرياءُ فِكراً وعقلاً، المخلوقونَ على رَهافةِ الإحساسِ ودِقّةِ الإدراكِ.

والشِّعرُ نظمٌ مَعنويٌّ إيقاعيٌّ إيحائيٌّ، يَغزو الحِسَّ قبلَ العقلِ، ويُثيرُ الوجدانَ والمشاعرَ؛ فلا يَصبِرُ على مُعاناتِه إلا مَن أُوتيَ جَلَداً على نَقبِ مَنجمِه واستخراجِ كنوزِه. وهو خيالٌ جامِحٌ فيه شيءٌ من الغموضِ الشفّاف في بعض الأحيان، لكنّه يَهَبُكَ الحقيقةَ في أبهى قالبٍ، عَبرَ هذا الخيالِ ذاتِه.

أما هذه المجموعةُ الشِّعريةُ التي أتقدَّمُ بها إلى الساحةِ الأدبيةِ العربيةِ، وأُقدِّمُ بها نفسي إلى القارئِ العربيِّ، فهي قِسمٌ من حَصادِ خمسِ سنواتٍ؛ ضاعَ نصفُ قصائدِها على الأقلِّ منذُ وقعت في أسر الحب، واحتجزتُ منها قَدراً كبيراً لا يُوائِمُ طبيعةَ المجموعةِ، مما لا يندرجُ تحتَ رايةِ الحُبِّ من الموضوعاتِ الأخرى: الدينيةِ والوطنيةِ والقوميةِ. وقد آثرتُ أن تكونَ هذه المجموعةُ في جُملتِها أشبهَ بسِمفونيةٍ كاملةٍ، تُوقِّعُ لحنَ تجربةٍ حيّةٍ عشتُها واقعاً في رِحابِ الحُبِّ: حُلوِه ومُرِّه، عَذبِه وعذابِه. ولا أكذِبُ إن قلتُ إنّي ما زِلتُ أعيشُها إلى اليومِ.

وأما اسمُ المجموعةِ — «عبيرُ الأبد» — فقِصّتُه ومغزاهُ ومعناهُ سِرٌّ بيني وبينَ مَن وجَّهتُ إليها هذه القصائدَ، ثم بيني وبينَ مَن يَفطَنُ له من القُرّاءِ بعدَ ذلك. وعلى كلِّ حالٍ، فهذه المجموعةُ ليست إلا أوّلَ مرحلةٍ وأولى خُطوةٍ في مَشوارِ الأدبِ. وبقيَ أن أقولَ: كما لا يَرضى أديبٌ ولا شاعرٌ عن عملِه تمامَ الرِّضى، فإنّي لستُ راضياً عن مستوى هذه المجموعةِ، وإنْ كنتُ أُوثِرُ قصائدَها على كلِّ ما قُلتُه من شِعرٍ حتى الآنَ.

محمد الأمين محمد الهادي

جدة 7/3/1990 م