عوامل نجاح مؤتمر عرته

عوامل نجاح مؤتمر عرته

الصورة: منظر جوي لمدينة جيبوتي — Skilla1st، ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 4.0) — صفحة الصورة

شارك:

نُشرت هذه الافتتاحية في مجلة «المؤاخاة» الإلكترونية في باب «أول الغيث»، وكان الكاتب رئيس تحريرها. لم يُحفظ تاريخ العدد، ويُقدَّر نشرها في سبتمبر 2000، وهي تكملة الافتتاحية السابقة «الجمهورية الصومالية الثالثة تولد من جيبوتي». المجلة متوقفة الآن، وهذه نسختها المحفوظة في أرشيف الإنترنت.

انتهينا في العدد الماضي إلى التساؤل الذي فرض نفسه ألا وهو: لماذا نجح مؤتمر عرته في جيبوتي فيما اخفقت فيه المؤتمرات الأخرى التي رعتها دول أكبر..؟؟ ما هي العوامل التي ساعدت على إنجاح المؤتمر؟

نحن نرى ان اهم العوامل التي ساعدت على ذلك هي:

أولًا: خصوصية الزمان والمكان

فمن حيث الزمان جاء هذا المؤتمر بعد عشر سنوات من الحرب الأهلية المدمرة والفوضى العارمة والتشرد المؤلم والحياة البائسة التي يعيشها من بقي ممسكا بالجمر في البقاء داخل الوطن البئيس.. وقد مل الشعب من انعدام النظام وعدم الاستقرار وكان يتوق إلى انعتاق من هذا الكابوس المزعج الذي باتوا يعانونه ليل نهار.. وبلغ بهم الكره للعصابات وأمراء الحرب مبلغه لما سببوه من دمار.

وعانى الشعب المسكين خلال ذلك ما عانى من جوع وتشرد وفيضانات وجفاف.. لم تقد م فيها أمراء الحرب التي تسعى إلى السيطرة على البلد غير القتل.. ولم يجن الشعب ومنهم أفراد قبائلهم غير الويلات والنكبات.. فكرههم الشعب ولم يعد يستمع إليهم بل اكتسبوا جرأة الإعلان عن رفضهم.. ولم تعد تغريهم النداءات القبلية التي كان يخرج باسمها في بدايات أيام الحرب الناس زرافات يلبون نداء القبيلة.

وعرفت كل قبيلة أنه لا يمكنها أن تمسك بزمام الأمور وحدها، ولا تستطيع أن تحكم البلاد وحدها دون المشاركة الفعلية بين جميع القبائل… وبدا وا ضحا أن سياسة الإقصاء ومسح بعض القبائل من على الخارطة أمر من سابع المستحيلات، وأصبح كل فرد يتوق إلى النظام والأمن والعدل والإستقرار وهذه لا توفرها القبيلة.. فإن القبيلة قدمت الفوضى وانعدام الأمن. وغدا كل حر يمتعض بل ويتميز غيظا من الوضع الذي آلت إليه الأمور في الصومال، حتى استقوى عليها من كان يهاب الدنو منها، فأصبحت حدودها البرية والبحرية نهبا لكل من هب ودب، وأصبح ترابها مرتعا خصبا للعصابات التي تغذيها دول الجوار تصفيه للحسابات بينها… وبدأ الناس يترحمون على عهد الدكتاتور سياد يرى ولسان حالهم يقول:

رُبَّ يَوْمٍ بَكَيْتُ مِنْهُ فَلَمَّا صِرْتُ فِي غَيْرِهِ بَكَيْتُ عَلَيْهِ.

ويتمنون أن تأتي حكومة صومالية أيا كان شكلها تستطيع أن تصون سيادة هذا البلد.

أي أن الشعب قد بلغ زمن النضج والوعي… وهذا هو اكثر الأوقات تقبلا للحلول وإن لم تستجب لجميع المطالب.

أما خصوصية المكان فنعنى به هذا البلد الصغير جيبوتي وخصوصيته تأتي من كونه بلدا صوماليا أرضا وشعبا وتقاليد وأعرافا ولذا فإن المؤتمر الذي يعقد فيه يلقى دعما شعبيا على جميع المستويات أكثر من أي بلد آخر.. وهو الذي حصل حقا في مؤتمر عرثة.

لأن الشعب بكل فئاته والحكومة بكل اتجاهاتها. والمعارضة بجميع أطيافها تدعم المصالحة الوطنية دعما منقطع النظير نظرا لرابطة الأخوة ووشيجة الدم التي توحد بين الشعبين الصومالي والجيبوتي.. فلا يوجد بلد أو شعب تأثر سلبا بما جرى في الصومال مثل هذا البلد الشقيق «جيبوتي» وهو بذلك لا يتهم بأن له مصالح وأهدافا سياسة يريد تحقيقها في الصومال كما كان يتهم الآخرون الذين سيقوه في ملف المصالحة الصومالية.

أضف إلى ذلك كون جيبوتي رئيسة للمنظمة الإقليمية المكافحة التصحر في هذه الفترة.. فهي بذلك تمثل المنظمة وتقوم بدورها.

وهي تشترك مع الصومال في عضوية جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامى ومنظمة الوحدة الإفريقية وغيرها من المنظمات الإقليمية والدولية.

ثانيًا: المنهجية الصحيحة

لقد استفادت جيبوتي من المؤتمرات السابقة، وعرفت سبب فشلها وهو أنها كانت تركز على زعماء الحرب فقط في إجراء المصالحة، وتجعل أمر الحل والعقد إليهم.. فكان عدم رضا أي واحد منهم بما قسم له من الكعكة كفيلا بإفشال المؤتمر وانفضاض المجتمعين.. إذ أعطتهم هذه المؤتمرات وزنا أكبر من وزنهم على الساحة الصومالية الداخلية.

ولكن الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلة سلك سبيلا آخر يسحب البساط من تحت أرجل هؤلاء الزعماء الذين لم يبق لهم رصيد كبير داخل المجتمع الصومالي.. ولم تعد لهم تلك السطوة والجاذبية والبريق الذي كانوا يتمتعون به داخل قبائلهم كأبطال يسعون لمصالح قبائلهم، فقد كشفتهم وفضحتهم الأحداث المتوالية وعرتهم من الورقة التي يتسترون وراءها فأصبح معروفا لدى كل الصوماليين أنهم يسعون لتحقيق أغراضهم الشخصية الدنيئة على أنقاض الوطن وجماجم الشعب متخذين من أبناء عشائرهم وقودا ينضجون به طبختهم، أو جسرا للوصول إلى أهدافهم.

وقد استمع الرئيس لجيبوتي إلى مانادى إليه المثقفون الصوماليون المخلصون من قبل وهو الإعتماد على المجتمع المدنى في تحقيق المصالحة وعدم تناسي دورهم المهم وعدم التركيز على أمراء الحرب فقط.. فكانت مبادؤة من البداية تركز على المجتمع المدني أساسا للمصالحة الوطنية خلافا لكل المؤتمرات السابقة

فقد دعا إلى المؤتمر جميع شيوخ العشائر وسلاطين القبائل صغيرها وكبيرها والمثقفين والأعيان والسياسيين..الخ.

ولما كانت الحرب الأهلية الصومالية انبثقت أساسا من عنصر القبيلة والقبلية وإحساس بعض القبائل بأن حقوقها تهضم من الحكومة المركزية التي كانت تتهم بأنها تدعم قبيلة ضد أخرى.. فقد تم تقسيم المصالحة إلى وجهين:

الوجه الأول: المصالحة الإجتماعية

وقدجرت بين القبائل الكبيرة التي تنضوي تحتها العشائر الفخائذ بحيث إذا تصالحت القبائل ممثلة بشيوخها وسلاطينها يكون المؤتمر قد سحب البساط من كل من يدعى أنه يمثل القبيلة ويحارب من أجلها من امراء الحرب.

الوجه الثاني: المصالحة السياسية

وهو لإعادة بناء مؤسسات الدولة الصومالية من برلمان وحكومة الخ.. ولم يخل ذلك من الإعتماد على القبيلة بل إن مقاعد البرلمان كلها قسمت على أساس قبلى واوكلت القبائل نفسها في اختيار ممتليها في البرلمان.. ثم توجت بانتخاب رئيس للبرلمان ونوابه ثم الإتنخابات الرئاسية.

في المقالة القادمة نكمل هذه العوامل المتبقية….