الصورة: شاطئ الليدو في مقديشو — Dan Sloan، ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 2.0) — صفحة الصورة
نُشر هذا المقال في مجلة «القوافي» الشعرية (الشارقة)، العدد 55، مارس 2024، بعنوان «مقديشو.. عروس الشعر والبحر». وننشر هنا نصه الكامل كما كتبه الكاتب بعنوان «عروس البحر.. مقديشو في عيون شعرائها».
مقديشو عاصمة الصومال، تقع في جنوبه وتترامى على رمال الساحل الغربي للمحيط الهندي تداعبها أمواجه مدّا وجزرا، ويختلف المؤرخون حول قدمها فبينما يرجع بعضهم تاريخ إنشائها إلى ما قبل الميلاد بثلاثة قرون، يذكر بعضهم أنها أنشئت في وقت متزامن مع فجر الإسلام.
ومقديشو لها اسم رسمي واسم شعبي يعرفها بها أهلها وهو (حَمَرْ) ومع أنه أقدم من الاسم الرسمي إلا أنه الأكثر استخداما عند الصوماليين حتى الآن لا سيما أهل مقديشو أنفسهم ودخل في الشعر والأمثال، وهناك أحياء تحمل اسم (حمر مع إضافة صفة إليها مثل "حمر ججب" (حمر المدمرة) و"حمروَين" (حمر الكبيرة) و"حمر عَدَّي" (حمر البيضاء). ويشير بعض المؤرخين إلى أن معناها بالعربية "الحمراء"، كما ذهب مؤرخون آخرون إلى أن أصل كلمة "حَمَر" مشتق من كلمة حِمْيَر، إشارة إلى مملكة حمير القديمة في اليمن، ثم تناولته عوامل التحريف حتى استقر على شكله الحالي "حَمَر".
أما اسم مقديشو فيقال إنها محرفة عن كلمة "مقعد شاه" (أي كرسي الملك)، إشارة إلى المكان المفضل الذي اتخذه الحاكم الفارسي مقرا له عندما حكم الفارسيون المدينة في أوائل القرن السادس الهجري، ولم يظهر اسم مقديشو في التاريخ القديم للمدينة نفسها إلا في المراجع التي تعود إلى القرن السابع الهجري. وهناك من يقول إن الاسم تحريف لـ "مقعد الشيوخ" إشارة إلى أنها كانت مكان اجتماع شيوخ القبائل وشيوخ العلم.
ومهما يكن الأمر فإن اشتهار المدينة جاء بعد دخول أهلها الإسلام في القرن الأول حيث تتابعت الهجرات العربية والفارسية إليها، ووصل هؤلاء المهاجرون على دفعات؛ لأن المدينة كانت ذات موقع تجاري مهم، وأقام المهاجرون فيها، وتاجروا مع أهلها، وتزوجوا منهم، واندمجوا في سكان البلاد، وبعدها أصبحت من أعظم الحصون التي دافعت عن الوجود الإسلامي في إفريقيا، ويذهب بعض المؤرخين إلى أن الفضل في نشر الإسلام في مناطق كثيرة من شرق ووسط وجنوب إفريقيا يرجع إلى السكان الأصليين لمقديشو التي كانت تمتلئ بعلماء ورجال دين قادوا حركة نشر الإسلام في هذه المنطقة؛ حتى أصبح الدين الغالب في منطقة شرق إفريقيا. وأطلق اسم مقديشو على ساحل شرق إفريقيا كله الذي يشمل زنجبار والصومال وجيبوتي.
وتشير بعض الوثائق إلى أن المدينة ضمن مجموعة حواضر ومدن أسسها أو جددها جماعة من البعثات العربية الإسلامية القديمة الذين قدموا من الإحساء على ثلاث سفن بقيادة سبعة إخوة من قبيلة الحارث الذين وصلوها في عام 301ه (913) وعقدوا حلفاً مع أهل البلاد الأصليين، منها (مقديشو) و(براوة) و(ممباسا) وغيرها حيث نزلوا في سواحل (بنادر) وطاب لهم فيه المقام. وخضع لنفوذهم، في فترة وجيزة كل الشريط الساحلي الممتد من (مقديشو) حتى (ممبسا). وإلى هذا يشير الشاعر محمد الأمين محمد الهادي حين يقول:
وتتابع على حكم مقديشو عدد كبير من الدول والسلطنات، أسس بعضها المهاجرون العرب والفرس، والبعض الآخر كان تابعا للخلافة الإسلامية، كما كان بعض هذه الدول تابعا لسلطنات قبلية صومالية إضافة إلى الاحتلال البرتغالي والإيطالي.
وقد كانت مقديشو مزدانة بالعلماء والشعراء والأدباء على مر التاريخ ويشهد لهذا ما كتبه ابن بطوطة عنها في زيارته لها، التي وصل إليها في عام 1331م وكانت مقديشو في تلك الفترة في أوج ازدهارها. ويقول ابن بطوطة عن مقديشو إنها مدينة متناهية في الكبر، وأهلها لهم جمال كثيرة، ينحرون منها المائتين كل يوم، ولهم أغنام كثيرة، وأهلها تجار أقوياء، وربما تصنع الثياب المنسوبة إليها التي لا نظير لها، ومنها تحمل إلى ديار مصر وغيرها (الثياب المقدشية) وأضاف بأن المدينة كانت محكومة من قبل سلطان صومالي هو السلطان أبوبكر ابن الشيخ عمر ويتحدث باللغتين الصومالية والعربية بنفس الطلاقة. كما وصف طريقتهم في استقبال الضيوف وإكرامهم لهم.
بينما يصف أكلات مقديشو «.. طعامهم الأرز المطبوخ بالسمن، يجعلونه في صفحة خشب كبيرة، ويجعلون فوقه صحاف الكوشان أو الإدام من الدجاج واللحم والحوت (السمك) والبقول. ويطبخون الموز قبل نضجه في اللبن الحليب، ويجعلونه في صحفه، ويجعلون اللبن المروب في صفحة، ويجعلون عليه الليمون المصبر وعناقيد الفلفل المصبر المخلل والمملوح والزنجبيل الأخضر والعنب قبل نضجه (ثم يصف العنب بعد نضجه معجباً بطعمه اللذيذ، وأنه يشبه التفاح لكنه صغير الحجم)، وهم إذا أكلوا لقمة من الأرز، أكلوا بعدها من هذه الموالح والمخللات».
ولكن مع كثرة ما مر على مقديشو من الشعراء والعلماء فقليل ما حفظ لنا مدونا من شعرهم أو علمهم، وأشهر من تحتفظ ذاكرة المدينة به هو الشيخ عبد الرحمن الصوفي الشاشي ,وهو أحد أعلام الصوفية في الصومال، وله عدد من الكتب في شتى العلوم الشرعية كما أن له ديوان شعر مطبوع اسمه "دليل العباد إلى سبل الرشاد" وهـو عبـارة عـن مجموعة قصائـد ونظـم تشـتمل علــى ابتهالات وتوسلات وذكر لمعجــزات الرســول صلى الله عليه وسلم وســيرته العطــرة، وجانــب مــن علــم التوحيــد وعلــم التصــوف، كــما يحتوي الديــوان على مدائح نبوية. وللشيخ صـوفي قصائـد أخـرى غـير موجــودة بديوانــه هــذا، وذكرت في كتاب يســمى "أنيســة العاشقين في معجــزات سيد المرسلين" للشيخ بشـيـر بــن الشــيخ عبــد الرحمن. وكان الشيخ يعيش مع مجتمعه متحسسا آلامه، ومتفاعلا معها، فيبذل قصارى جهده لإصلاحه وتوجيهه نحو الفضيلة محاربا للرذيلة، فقد نعى الشيخ عبد الرحمن الصوفي على بعض المشايخ الذين انسحبوا من الساحة بعد ظهور عادات سيئة من بينها السفور والاختلاط المحرم بين الجنسين في سكان مقدشو وأصرّ هو على البقاء لمحاربتها وذكر ذلك في قصيدتين من قصائد ديوانه "دليل العباد إلى سبيل الرشاد" يقول في واحدة منهما:
وهي قصيدة طويلة بعنوان "نصائح خصوصية أريد بها العموم" ذكر فيها كثيرا من تلك العادات السيئة. ومن توسلاته بالنبي صلى الله عليه وسلم:
ومقديشو كان يزورها، ويمر عليها، ويقيم فيها كثير من علماء القطر الصومالي وعلماء اليمن وحضرموت، ومن بينهم من زارها طالب علم، ومنهم من زارها تواصلا مع علمائها، ومن بين من زارها مفتي حضرموت عبد الرحمن ابن عبيد الله السقاف (1882 – 1956). وزارها الشيخ عبدالله قطبي وهو عالم صوفي من غرب الصومال (شرق إثيوبيا حالياً – هرر وما حولها)، وكان قرين علم وزميل طريقة مع الشيخ قاسم البراوي الساكن في مدينة (براوة) الواقعة جنوبي مقديشو، وحين زار الشيخ قطبي مقديشو لم يزر قرينه في الطريقة القادرية حينها، فأرسل إليه الشيخ قاسم البراوي قصيدة عتاب طويلة، يقول في بعض أبياتها:
ومن بين شعراء مقديشو المرحوم الشاعر عمر عبد الرحمن الطويل رئيس تحرير صحيفة "الطليعة" التي أصدرها منذ ما قبل انقلاب زياد بري، واستمرت بعده وأصبح نائبا في البرلمان في عهد زياد بري، ووزيرا للإعلام في أواخر عهد زياد بري. واشتهر بقصائده الثورية منذ أيام الاستعمار وتوفي مع بداية انهيار الحكومة، يقول في إحدى قصائده التي يتحسر فيها على ما يفعله المستعمر بالبلاد وتأخر التعليم في المدينة:
ومن شعرائها المرحوم "أحمد عمر الأزهري" رئيس تحرير صحيفة "الحقيقة" قبل انقلاب زياد بري والنائب في البرلمان ومدير المطبوعات في وزارة الإعلام، وقد كان شاعرا مرموقا على صلة بكثير من الشعراء والكتاب العرب، وكان يؤكد دائما من خلال بحوثه بأن أصول الفراعنة المصريين من الصومال، ويقول في قصيدة له مفتخرا بذلك:
ومن شعرائها أيضا الشاعر "عمر علسو" مندوب الصومال لدى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الأيسيسكو) سابقا، وللأسف لا نحفظ له قصيدة. ومن شعرائها "عمر عرته غالب" وزير الخارجية في فترة السبعينات ويشار إلى أنه بجهوده دخلت الصومال إلى جامعة الدول العربية، ثم سجن في الثمانينات وبعد انهيار حكومة زياد بري كان أول رئيس للوزراء في حكومة علي مهدي 1991م. ومن شعره في زمن الاستعمار يستحث الصوماليين للثورة:
مقديشو ملهمة الشعراء
في فترة أمنها واستقرارها كانت مقديشو ملهمة لكل شاعر زارها، ولقد ألهمت شعراء عرب مشهورين أقاموا فيها فترة ومن بينهم الشاعر العراقي معد الجبوري الذي أقام في مقديشو مع أسرته لمدة عامين كاملين من يناير 1976 إلى ديسمبر 1977م وكتب فيها الكثير من القصائد وذكر في مقال كتبه تحت عنوان "مقديشو .. درة القرن الأفريقي" يتحدث فيه عن القصائد التي كتبها في تلك الفترة.. وأثر إقامته في مقديشو على مجمل شعره قائلا: "…انبثت في ثنايا قصائدي روح الصومال والجو الأفريقي الأسوَد، وتجلت نصوصي عن صور جديدة تنطوي على الطقوس الغريبة وفضاء البحر والغابة بعد أن عشت مع إيقاعات الطبول الصومالية والنفخ في الأصداف والرقص الصومالي المزاجي، خاصة عندما تقوم نساء كل حي بتنظيف الحي ومعهن الرجال يغنون وبأيديهم الطبول والأصداف البحرية الكبيرة." وبعد سرد لمشاهداته والأجواء التي عايشها في مقديشو يقول "هذه الأجواء بمفرداتها وإيحاءاتها وما قدمته لي من رؤي، دخلت شعري، مشبعة بخيالي الخاص وقراءتي الإنسانية ومكابدتي الشخصية اليومية هناك. فتخلقت صورا جديدة.. ومن مقديشو أرسلت إلى مجلة (آفاق عربية) قصيدتي (مكابدات أفريقية) التي تضم عددا من نصوصي الشعرية المغايرة لكل ما كان يكتبه الشعراء في العراق، فنُشِرَتْ القصيدة في المجلة على عدة صفحات مرفقة برسوم فنية ملونة. ثم نَشَرتُ بعدها قصيدة عنوانها (شبيللي) وأخرى عنوانها (موسم آخر لطائر الغابة) وقصيدة (أحكي عن الساحرة الأولي) حتى ملأت نصوص تجربتي تلك معظم صفحات مجموعتي الشعرية (وردة للسفر) التي صدرت عام 1981." ويتحدث أيضا عن أن الغالب في مقديشو والصومال "هو نظم الشعر باللغة الصومالية بشكل مرتجل يتغنى الشاعر خلاله بكلماته، وقد تسني لي أن أشهد مرات عديدة تجمعا شعبيا حول شاعر يغني قصيدته بين الناس وهم منسجمون متفاعلون معه، فالصوماليون يسمون الشاعر مغنيا والقصيدة أغنية، وقد اقترن الشعر لديهم منذ عصور بعيدة بالغناء والرقص. وللطبيعة الرعوية التي اتسم بها المجتمع الصومالي فقد حفل الشعر بعشرات القصائد المتعلقة بأغاني الإبل والماشية.. وعندما يتحدث الصوماليون عن شعراء تقليديين كبار أمثال المجاهد محمد عبد الله حسن، الذي كان ينشد شعره بالصومالية وينظم كذلك باللغة العربية.. أو الشعراء: (علي دوح وسلام عربي وقمان) فإنهم يتحدثون عن ملاحم وطنية يتناقلونها شفاها كضرب من الغناء الشعبي لتنتشر بين الأجيال اللاحقة"
وانجذب الشاعر لجمال وسحر الصوماليات في مقديشو وسحرهُ "طولها الفارع وجمالها الأخاذ الذي لا يضاهيه سوى جمال الأثيوبيات" واصفا إياها بأنها " ليست زنجية فاحمة السواد بأنف أفطس وشفاه غليظة، فوجهها دقيق الملامح ولون بشرتها أقرب إلى السمرة الغامقة منه إلي السواد الفاحم، لذا فقد عملتْ بعض الفتيات الصوماليات عارضات أزياء في أوربا" ويسترسل قائلا "ويشدك تبختر المرأة في الأسواق والشوارع وعلى الساحل بزيها التقليدي الذي لا يعدو أن يكون قطعة قماش طويلة واحدة تلفها علي جسدها وتشدها بعقدة عند أحد كتفيها، أو أنه ثوب طويل فضفاض مزركش، وشعر رأسها إما مسرَّح تسريحة أفريقية أو مغطى بوشاح خفيف.. ومع أن شوارع وسواحل مقديشو لم تكن تخلو من الإيطاليات والروسيات، إلا أنهن لا يلفتن النظر إليهن كالصوماليات، وخاصة الخلاسيات منهن." وضمن هذا الجو كتب أولي قصائده (أحكي عن الساحرة الأولي) ومطلعها:
تَبْدَأُ مُوسِيقَي الْعِطْرِ الْأَسْوَدِ،
إِذْ تَبْدَأُ فَاطِمَةُ الْفَارِعَةُ السَّوْدَاءْ
ويقول في أحد مقاطعها:
طَبْلٌ أَفْرِيقِيٌّ
يَتَقَلَّبُ تَحْتَ يَدَيَّ،
يُدَمْدِمُ فِي رَأْسِي،
هَذَا الْعِطْرُ الْغَامِضُ،
هَذَا اللَّوْنُ الْمُمْتَلِئُ الْحَارّْ..
ويقول أنه "منذ تلك القصيدة، بات اسم (فاطمة الفارعة السوداء) في شعري، رمزا لعناق مقديشو وأفريقيا السوداء فيما كتبت من قصائد بعدها." ومن بين ما كتبه عن الفتاة الصومالية القصيدة التي مطلعها:
ومن بين من ألهمتهم مقديشو الشاعر السوداني جعفر محمد عثمان الذي عاش في مقديشو ثمانية أعوام متتالية من 1983 إلى 1991م دون أن يزور بلده خلالها حيث كان خبيرا ً تربويا بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (مكتب مقديشو) ولم يعد إلى السودان إلا بعد اندلاع الحرب الأهلية. وقال في حوار "وعجبتني البلد حيث كنت أسكن في سكن مريح وراق وأمتلك من المدخرات ما يكفيني للعيش لأن لها أرباح ولا أستطيع أن أصرف نصفها، واستمر ذلك الوضع إلى أن تساقطت القنابل فوق رأسي في فترة نهاية حكم الرئيس محمد سياد برِّي، حتى عدت مكرهاً إلى السودان سنة 1991. فالحديث عن الصومال ذو شجون." وفي مناسبة أخرى يقول "قد عشت بها عهدا ً جميلا ً طويلا ً، لم ينته إلا َحين بدأت مأساتها الفاجعة أوائل عام 1991م، حربا ً غير عقلانية بين ذوي الارحام".
وكتب وأنشد فيها الكثير من القصائد، منها ما غنى فيها عن طبيعتها وعن جمال بناتها وعن محيطها الهندي، اسمع إليه يصف السحاب على شاطئ المحيط الهندي بروعة خياله وصدق إحساسه:
وكان حتى بعد عودته الإجبارية إلى السودان يحن إلى مقديشو وأيامها، ويقول في قصيدة طويلة يعبر فيها عن حنينه إليها:
دَهْــرٌ مَضَــى، وَلَــمْ أَزَلْ
أَسْــأَلُ عَنْــكِ … لَا أَمَــلّْ
يَـا مَقْدِشُو الْحَزِينَـةُ! أَيَّتُهَـــا الْمَدِينَـــةْ
وَعَنْ سِوَاكِ فِي الْبِلَادِ لَمْ أَسَـلْ
بِلَوْعَــةٍ كَهَــذِهِ، دَفِينَــهْ!
وَوَحْشَــةٍ كَهَــذِهِ، لَعِينَــهْ!
وَحَيْرَةٍ مَا بَـيْنَ يَـأْسٍ وَأَمَـلْ
فِي أَنْ أَعُودَ ذَاتَ يَـوْمْ
وَأَنْ تَعُـودِي ذَاتَ يَـوْمْ
الْوَاحَةُ الْمَأْمُونَةْ.
مَغْنَى الْجَمَالِ الْمُسْتَفِزِّ، عَارِضًا فُنُونَةْ!
يَمْشِي الْهُوَيْنَى سَاحِرًا … بِالْخُطْوَةِ الْمَوْزُونَهْ!
عَلَى ثَرًى مِنَ الرِّضَا، وَالْأَمْنِ وَالسَّكِينَةْ.
*** ******
ثم يقول في حرقة:
تُرَى يَعُودُ مَا مَضَى،
يَا مَقْدِشُو الْمِسْكِينَةْ؟!
يَا زَهْرَةً بَرِّيَّةْ
بَيْنَ التِّلَالِ وَالرُّبَى وَحِيدَةْ!
عَرُوسُ (بَحْرِ الْهِنْدِ) تَلْتَقِي
عَلَى رِمَالِهِ جُذُورُهَا سَعِيدَةْ!
مُطِلَّةً عَلَى الْعُبَابِ مِنْ عَلٍ
يَنْدَاحُ فِي الْمَشَارِقِ الْبَعِيدَةْ!
مَهْدًا عَلَيْهِ يُولَدُ النَّهَارْ
مِنَ اللَّأْلَاءِ مَالَهُ قَرَارْ'!
فَوْقَ الْأُلُوفِ مِنْ عُبَابِهِ،
كَأَنَّهَا أُرْجُوحَةٌ أَشْوَاطُهَا قِصَارْ !
تَعْلُو بِهِ مُرَقِّصَةً
وَتَارَةً لَهَا انْحِدَارْ
وَتَسْتَقِيمُ مَرَّةً، وَتَنْحَنِي
وَتَارَةً لَهَا مَدَارْ
وَمَرَّةً إِلَى الْيَمِينِ تَنْثَنِي
وَمَرَّةً إِلَى الْيَسَارْ
*********
يَا جَارَةَ (الْهِنْدِيِّ)، شَاعِرِ الْبِحَارْ'!
الْعَاشِقِ الَّذِي لَهُ بِحُسْنِكِ انْبِهَارْ!
إلى أن يقول :
يَا مَقْدِشُو رُوحِي لَدَيْكِ مَا تَزَالْ
فِكْرِي لَدَيْكِ وَالْخَيَالْ
أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ الَّتِي غَدَتْ بَعِيدَةَ الْمَنَالْ
والقصيدة طويلة حزينة.. ولكنا لضيق المقام نختصر على هذا.
ويشاركه في البكاء على مقديشو بعد الدمار خلال الحرب الأهلية شاعر سوداني آخر هو محمد الفيتوري الذي كتب قصيدة (رتوش على لوحة صومالية) يقول في بعض أبياتها:
مَقْدِيشُو الَّتِي لَبِسَتْ دَمَهَا
مَقْدِيشُو الْوُجُوهِ الْحَزِينَةِ
لَنْ تَكُونَ، وَلَمْ تَكُنْ مِنْ قَبْلُ
أَوَّلَ مَرْكَبَةٍ فِي الْجَحِيمِ
وَآخِرَ أُرْجُوحَةٍ فِي الْمَطَرْ
مَقْدِيشُو الَّتِي شَرِبَتْ كَأْسَهَا
مَقْدِيشُو الرِّيَاحِ السَّجِينَةِ
ازْدَهَرَتْ بَذْرَةُ الْمَوْتِ فِي أَرْضِھَا
وَالْتَوَى الْجُوعُ وَالْقَهْرُ حَوْلَ جُذُوعِ الشَّجَرْ
أَتُرَاهُ عُقُوقُ الْبَشَرْ
أَمْ تُرَاهُ انْتِقَامُ الْقَدَرْ
مَقْدِيشُو عَلَى قَبْرِ تَارِيخِهَا
أُمَّةٌ تَنْتَحِرْ.
بكائيات شعراء مقديشو على مدينتهم
بعد الحرب الأهلية التي أكلت الأخضـر واليابس في الصومال وكان لمقديشو من ذلك نصيب الأسد، تحولت معظم قصائد شعرائها إلى بكائيات، فها هو الشاعر محمد الأمين يكتب في أوائل التسعينات بعد أشهر من بداية الحرب الأهلية على السفينة التي تحمله خارج الصومال يقول في مطلعها:
اقرأ القصيدة كاملة: «الرحيل إلى المتاهة» — ديوان «نقوش على جراح الوطن الذبيح» ←
وفيها يعتذر لوطنه أنه يغادرها رغما عنه لأنه ضيقت سبله، فيقول:
وهي بكائية طويلة لا يسع المقام لسردها.
وفي مغتربه يشتد شوقه إلى مقديشو وهو في ممباسا، فيكتب قصيدة (طال النوى) و يرسل إليها رسالة حزينة بعد أن طال به الاغتراب عن مدينته مقديشو فيقول في مطلعها:
بَعَثْتُ بِغَيْمَةِ الْأَحْزَانِ..
تُزْجِيهَا أَكُفُّ الْغَيْبِ
إِلَى وَطَنِي.. بِأَ شْوَاقِ
قَدِ احْتَرَقَتْ بِأَعْمَاقِي
تُسَائِلُهُ عُهُودَ الْحُبّْ
وَهَلْ مَازَالَ مِيثَاقِي؟
وَمَا خَطَّتْهُ أَقْدَامِي؟
عَلَى رَمْلِ الشَّوَاطِي الْخُضْرِ..
مَكْتُوبَا؟
أَمِ الْأَمْوَاجُ قَدْ لَحَسَتْ
وَمَا أَبْقَتْ؟
لَقَدْ طَالَ النَّوَى وَالْبُعْدُ.. يَا وَطَنِي…!
فَهَلْ مَا زَالَ دَرْبِي مُقْمِرًا بِاللَّيْلِ؟
وَذَاكَ الْمَسْجِدُ الْمَحْفُوفُ.. بِالْأَشْجَارِ وَالْأَزْهَارِ..
إِذْ كُنَّا نُطَهِّرُ مَا جَنَاهُ الْقَلْبُ؟
أَىَا وَطَنِي أَمَا بَرِحَتْ خَبَايَا الْعِطْرِ مَأْلُوفَةً؟
وَأَكْوَابٌ مِنَ الْجَنَّاتِ مَصْفُو فَةً؟
وَأَسْمَارٌ بِلَيْلِ الْأُنْسِ..
تَتْلُوهَا نُجُومُ اللَّيْلِ..
وَيَرْوِيهَا خَيَالُ الشِّعْرِ..
بِالْأَحْلَامِ مَلْفُوفَةً؟
اقرأ القصيدة كاملة: «طال النوى» — ديوان «غابات من العنبر» ←
وتمضي القصيدة على هذه الوتيرة واصفة كيف اغتيلت الطفولة وقصفت آمال الشباب، ,وكل المآسي التي حدثت في المدينة، وبعد تطواف تعود الغيمة التي بعثها الشاعر إليه في نهاية القصيدة، فيقول:
وَقَالَتْ غَيْمَتِي بِأَسًى:
لَقَدْ أَمْطَرْتُهُمْ حُبَّكْ!!
لَقَدْ أَمْطَرْتُهُمْ قَلْبَكْ!
وَأَمْطَرْتُ الْهَوَى وَالْعِشْقَ كُلَّ طَرَائِقِ الْوَطَنِ
لِتَسْقُطَ فِي جِرَاحَاتِ الْأَسَى بَرْدًا
سَلَامًا يَمْحَقُ الْحِقْدَا
رَحِيقًا يُنْتِجُ الشَّهْدَا..
وَمُنْتَظِرٌ أَنَا فَلَعَلَّ مَا أَمْطَرْتُ
سَوْفَ يُعِيدُ مَا انْهَدَّا..
وفي قصيدة أخرى يلعن فيها القبلية التي أدت إلى كل هذه المآسي فجعلت مدينة مقديشو مدمرة، ويصف فيها بخيال شاعر ما فعلته القبيلة بالوطن وأبناء الوطن، يقول في بعض أبياتها:
ذَاكَ شَابٌّ يَتَغَنَّى..
ذُو طُمُوحٍ.. يَتَمَنَّى..
لَوْ يَكُونُ الْيَوْمَ أَغْنَى ..
وَيُطِيلُ الْفِكْرَ فِي نَسْجِ خَيَالٍ
فِي زَمَانٍ مُقْبِلٍ زَاهٍ وَأَغْنَى ..
قُتِلَتْ "لَوْ" فِي خَيَالِهْ.
بِرَصَاصَاتِ الْقَبِيلَةْ
*********
تِلْكَ أَزْهَارٌ جَمِيلَةْ
سَقَطَتْ صَرْعَى قَتِيلَةْ
بِرَصَاصَاتِ الْقَبِيلَهْ.
*********
تِلْكَ أَحْلَامُ الْعَذَارَى ..
فِي اللَّيَالِي تَتَبَارَى..
كُلُّهَا تُعْلِي مَنَارَا..
لِعَرِيسٍ.. فَارِسٍ يَمْحَقُ عَارَا
يَجْلِبُ الْعِزَّ اقْتِدَارَا..
أَشْعَلُوا فِيهِنَّ نَارَا..
بِرَصَاصَاتِ الْقَبِيلَةْ.
وفي 1996م يعود في زيارة عمل إلى الصومال، فينشد فيها قصيدته (عروس البحر) التي يقول في مطلعها:
لكنه مع كل ذلك يرى في الأفق أملا عندما وجد شبابا يبذلون جهودهم فى شتى المجالات .. ليبلسموا جراحها .. ويخيفوا أعداءها ..فعرف أنهم فتى أحلام المستقبل لعروسه "مقديشو"… فيختم:
ولكن الشعراء الشباب في مقديشو ما زالوا يعانون من التفجيرات المتكررة لحركة الشباب المجاهدين التي تزهق الأرواح، فهذا الشاعر يعقوب محمد صلاة يقول إثر تفجير دموي:
وعلى نفس المنوال يكتب الشاعر أحمد يوسف بظل عن تفجيرات مقديشو المتكررة:
ثم يتذكر العهد الجميل الذي مضى بمقديشو، فيقول:
ثم يتحول إلى لوم الشعب وتقريعه على ما انخرط فيه من تقاتل قبلي:
أما الشاعر زكريا عمر شيخ (البنادري) فيربط بين كل المآسي التي يعاني منها الشباب من الجفاف والتهريب للهجرة إلى دول الغرب ومعاطاة نبتة القات المخدرة وإرهاب حركة الشباب فيقول:
لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَتَحَدَّى ذَلِكَ كُلَّهُ فَيَقُولُ فِي قَصِيدَةٍ أُخْرَى:
وَيَنْتَهِزُ أَيَّ فُرْصَةٍ لِلتَّرْوِيحِ عَنْ نَفْسِهِ، حَتَّى التَّغَزُّلِ مَعَ بَائِعَةِ الشَّايِ إِذْ يَقُولُ:
أما الشاعر الشاب عبد الرحمن شيره المغترب في السويد، فما زال يعاني البعد عن مقديشو، فيقول في قصيدة طويلة:
وَيَتَوَسَّلُ إِلَى صَاحِبِهِ كَيْ يَأْخُذَ بِيَدِهِ لِزِيَارَةِ الْأَهْلِ فِي مَقْدِيشُو، (أَوْ حَمَرٍ)، وَكِسْمَايُو وَهَرْجِيسَا، فَيَقُولُ:
مقديشو زاخرة بالشعر والشعراء في تاريخها القديم والحديث وقد تناولنا هنا بعضا من سيرتها الشعرية عسى أن يكون فيها غناء.
