«الشباب» و«الشريعة الإسلامية» والشعب الصومالي!

«الشباب» و«الشريعة الإسلامية» والشعب الصومالي!

الصورة: داخل مسجد التضامن الإسلامي في مقديشو — Omar Gadood، ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 4.0) — صفحة الصورة

شارك:

نُشرت هذه المقالة أولًا في «شبكة الشاهد الإخبارية» (arabic.alshahid.net) بتاريخ 27 أكتوبر 2009. الموقع متوقف الآن، وهذه نسخته المحفوظة في أرشيف الإنترنت.

سمعنا كثيرا عن مبادرات وجهود تبذل من وراء الكواليس أو عبر وسائل الإعلام حول مؤتمر للمصالحة بين الفصائل والحكومة الصومالية منذ إنشائها في جيبوتي. منها ما كانت من تنظيمات إسلامية ومنها ما كان من شخصيات لها وزنها في تيار الصحوة ومنها ما تبنتها دول ومنظمات إقليمية.

ولكنها كلها باءت بالفشل أو لم تستجب لها الأطراف المناوئة للحكومة من حركة الشباب والحزب الإسلامي. بل كانت قيادات الفصيلين يبادرون إلى التبرؤ منها فور الإعلان عنها، معلنين أنهم لن يحلوا خلافهم مع الحكومة سوى بحد السلاح.

آخر هذه المحاولات كانت من جامعة الدول العربية التي أعلنت على لسان مبعوثها للشؤون الصومالية بأن “المعارضة” قابلت دعوات الجامعة العربية الجبارة بالرفض مؤكدا “أنّ المشكلة دائماً تأتي من قبل الحزب الإسلامي وحركة الشباب اللذان لا يريدان تفاضاً ولا مصالحة”

إلا أن خبرا تداولته وسائل الإعلام مؤخرا يؤكد أن ليبيا استطاعت أن تخرق جدار المعارضة ويقنعها بالمشاركة في مؤتمر تستضيفه ليبيا يجمعها مع الحكومة لإنهاء الأزمة الصومالية الخانقة .

الكثير سينظر إلى هذا المؤتمر نظرته لسابقاته ولن يقتنع الصوماليون بأنه يحمل شيئا من الجدية ولن يزيد عن كونه فرقعة إعلامية ليبية ونتمنى أن لا يكون الأمر كذلك.

ليبيا بالتأكيد تبذل جهودا منذ أمد طويل ولكنها وجدت كغيرها أن أبواب المعارضة موصدة أمام محاولاتها. ولكن ربما تكون ليبيا قد لعبت بأوراقها الدبلوماسية لتتمكن من اختراق جدار المتمردين الصوماليين عبر صداقتها بالنظام الأريتري الذي يعتقد أنه النظام الوحيد في العالم الذي يعلن دعمه لهؤلاء المتمردين.

فقد يكون النظام الأريتري أعطى الضوء الأخضر لمن يحركهم من قادة التمرد للاستجابة للمبادرة الليبية، ولا ندري ما الذي يمكن أن تكون الصفقة حينئذ. ولكن المؤكد أن ليبيا حصلت على إشارة ما في هذا الاتجاه، وهذا ما جعلها تسرب الخبر عبر مصدر رسمي.

ما جعلني أستغرب هو أن حركة الشباب كانت هي أول من علقت على الخبر المشاع بخلاف ما كان معتقدا أو بخلاف ما جرى عليه الأمر سابقا حيث كان “الحزب الإسلامي” هو المخول في الحديث والتعليق عن هذه الأشياء.

والأعجب أن تعليق الناطق باسم الشباب لم يكن بالنفي القاطع المتعود منهم في مثل هذه الحالات، بل كان بإبراز شرطهم الأساسي وهو أن يكون ذلك في إطار “الشريعة الإسلامية”! وإعلان “أن الحركة تقبل كل الجهود المبذولة المبنية على أساس الشريعة الاسلامية وتقبل من يسعى بمثل هذه المبادرات.”

وفي تعليقه على المساعي الليبية لاحتواء الأزمة ذكر “أن الشريعة الاسلامية هي الحل الأمثل ونحن نقبل التفاوضات المبنية على أساس الشريعة ولن نقبل الجهود الأخرى التى لاتتناسب مع الشريعة الاسلامية” .

وكان ذلك مثيرا لي على الأقل فهو يشير إلى تغيير ما قد حصل في تفكير الجماعة وإن تكتيكيا. وأيا كان الأمر فإن ليبيا إذا استطاعت جمع هذه الفصائل مع الحكومة وبدء الحوار وإنجاحه فإنها ستكون حقا قائدة للقارة الأفريقية بحلها أعصى مشكلة على الحل فيها.. وزعيمها لن يكون ملك ملوك أفريقيا فقط بل ملك ملوك العالم!!

ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: ما هو المقصود بهذا الشرط الفضفاض “الشريعة الإسلامية” وكيف يمكن الإمساك به أو تحقيقه؟

هل المصالحة التي دعت إليها “هيئة علماء الصومال” منذ بدء الأزمة لم تكن في إطار “الشريعة الإسلامية”؟

هل المبادرة التي قام بها “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” وعلى رأسها الشيخ يوسف القرضاوي لم تكن في إطار “الشريعة الإسلامية”؟

هل الرحلات المكوكية التي كان يقوم بها الدكتور عبد الرحمن النعيمي رئيس الحملة العالمية لمقاومة العدوان لم تكن تضع “الشريعة الإسلامية” في مقدمتها؟

هل النداء الذي تقدم به العالمان الجليلان الدكتور عمر عبد الله النصيف والشيخ عبد الله بن بية ودعوتهما لوقف القتال والصلح مع الحكومة لم تكن مبنية على أدلة من “الشريعة الإسلامية”؟

هل ليبيا القذافي أقرب إلى تحقيق “الشريعة الإسلامية” من كل هؤلاء؟

هل .. وهل … وهل؟

من هنا نعلم أن “الشريعة الإسلامية” لدى الحركة وأختها “الحزب الإسلامي” ثوب يكسونه من يشاؤون ويخلعونه عمن يشاؤون.

من حق الشعب أن يسأل: أية نسخة من “الشريعة الإسلامية” تريدون أن تتم بها المصالحة؟ هل هي الشريعة التي تحالفتم بها جميعا تحت راية “المحاكم الإسلامية” أم الشريعة التي اختلفتم عليها فيما وعاديتم بها إخوانكم من قادة المحاكم الإسلامية وكفرتم بعضهم، هل هي تلك التي تحالفتم بها مع الحزب الإسلامي وأعلنتم بها حربا شعواء على الحكومة الإسلامية بفتوى جميع العلماء؟ واستحللتم بها دماء الشعب؟

أم أنها تلك التي اختلفتم بها بعد ذلك مع الحزب الإسلامي أيضا ورفعتم السلاح على بعضكم وصار بأسكم بينكم شديدا بها في كسمايو؟

نريد منكم أن تحددوا النسخة التي على أساسها تقبلون التفاوض..!! كانت هناك نسخة واحدة اتفقتم عليها في البدء.. ثم نسختان: إحداها للحكومة وأخرى لمن تحالفوا ضدها.. وبعدها ثلاث نسخ: .. إحداها للحكومة .. وأخرى للحزب الإسلامي .. وثالثة للـ “الشباب”..

هلا أرحتمونا من هذه الشريعة التي تحل لكم قتل الشعب في الأشهر الحرم، وتحل لكم الخبائث وقتل النفس التي حرم الله؟

إن الخوارج كفروا عليّا، ثم قتلوه كرم الله وجهه وهم يعتقدون أنهم ينفذون شرع الله، وكان شعارهم “إن الحكم إلا لله” وعليٌّ رفض أن يكفرهم لأنه علم أنهم شعلة من الحماس تنقصها الفقه، ولذا قال “هم من الكفر فرّوا” ومن الغريب أن بعضهم يفرون من الكفر ليقعوا في النار!! فهل شريعتكم “شريعة الخوارج” أم “شريعة علي”.. أعتقد أن الكثير عرفوا من أي فئة أنتم!

من المؤكد أن الشعب الصومالي متعطش لحكم الشريعة، والآكد أنه يفضل غير الشريعة إذا كانت من نسخة “حركة الشباب” التي تستأصل شأفة الشعب بأكمله، وتضيع الصومال ومستقبله.