الصورة: جامعة مقديشو — AMISOM Public Information، ويكيميديا كومنز (CC0) — صفحة الصورة
نُشرت هذه المقالة أولًا في «شبكة الشاهد الإخبارية» (arabic.alshahid.net) بتاريخ 4 ديسمبر 2009. الموقع متوقف الآن، وهذه نسخته المحفوظة في أرشيف الإنترنت.
عندما وصلني هاتف من مقديشو يؤكد لي الخبر الذي وصلني بالإيميل لأتأكد منه لم أتمالك من ذرف الدموع التي هي بالدماء أشبه. يقول المثل الصومالي “Geeri nin aadan aqoon iyo geeljiray ku fiican tahay” ما يعني أن “الموت إن وقع فليقع على راعي إبلٍ أو مجهول لديك” ذلك أن من تعرفه لا تتذكر ما أصابه من فجيعة الموت فقط بل تتذكر فيه حياته وحيويته وكل حركة وسكنة عرفته بها. وكنت كذلك عندما سمعت أسماء الوزراء الشهداء الذين قضوا في الحادث.
ولم أكن منتظرا أن يؤكد مخبولو حركة الشباب المولعون بالدم والقتل تبنيهم العملية أو نفيهم لها، فلم يداخلني شك أنهم هم من قاموا بها، وخططوا لها لأنهم لا يجيدون سوى أن يأخذو الناس على حين غرة، لا أن يواجهوا في الميدان مواجهة الرجال للرجال. ولكن بعد أن تعاظم الغضب الشعبي والدولي واستعظم الصوماليون بجميع فئاتهم هذا العمل المروع، وكان كل واحد شبه متأكد أنهم هم من فعلها. قلت في نفسي: إنهم الآن لن يتبنوها بل سيعلنون عدم مسؤوليتهم عنها!!
وهم لم يكذبوا ظني فالمؤمن يرى بنور الله!! فقد نفى ناطقهم في حوار مع البي بي سي مسؤوليته عن الحادث. فقلت “ها قد حدث ما توقعت” وكان نفيهم هذا بمثابة تأكيد عندي، لأن جميع الأخبار لم تشر إلى مسؤولية الشباب، بل الكل يقول لم يتبن العملية أحد بعد. ولو أنهم سكتوا ولم ينفوا أو يثبتوا لكان أولى لهم، ولكن لأنه كما قال العرب قديما “يكاد المريب يقول: خذوني” لم ينف الحزب الإسلامي عن نفسه مع أن التهمة كانت لجميع من يقاتل الحكومة، ولكن حركة “الشباب” نفوها وكأنهم يعرفون أنهم الوحيدين المشكوك فيهم بل المتأكد فيهم أنهم فعلوها! ومن غيرهم يفعلها؟
ولعل من نافلة القول أن نقول إن ما قاله ناطقهم بأن “مثل هذا الأمر لا يتصور منا” يكاد يثير ضحك كل من يعرفهم من الشعب الصومالي. إذا فمن الذي كان يقف وراء التفجيرات التي وقعت في الصومال والتي تبنتها الحركة واحدة تلو الأخرى؟ بل المثير للضحك أكثر أن يقول بـ “أن الحكومة العميلة هي التي قامت به” وكأن الحكومة تريد قتل وزرائها.
إذا فمن قام بعملية بلدوين التي راح ضحيتها عدد كبير من شيوخ القبائل والوزير عمر حاشي، ولم يتحملها حتى صاحبهم الذي يقاتل معهم في خندق واحد الشيخ حسن طاهر أويس فأدان مرتكبيها؟
والشعب يعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يقوم بما وقع الخميس في العاصمة الصومالية مقديشو بكل بشاعته غير جماعة لا تقيم وزنا للإنسان وما يمثله الإنسان ولا لمؤمن إلا ولا ذمة. فهم جميعا كفار مرتدون عملاء عندهم إلا أن يثبتوا العكس وهو أن ينضموا إليهم. ومن يتصف بهذه الصفات غير “الشباب”
من يمكنه أن يمتلك الجرأة ويميت ضميره ليخطط وينفذ مثل هذا العمل الإجرامي غير الحفنة التي استمرأت القتل والدمار وأصبحت تعتاش منه، بل أصبحت لا تستطيع العيش بدونه. فبدوران دولاب الموت الذي يحصد الشعب تستمر حياتهم فهم بذلك يخشون الاستقرار ويحاولون إعاقة تحقيقه للشعب الصومالي.
قد يمكنهم أن يبرروا استهداف القوات الأفريقية لأنهم في حرب ومواجهة يومية معها، قد يمكنهم تبرير استهداف قوات حكومية بحجة أنهم يقاتلونها.. ولكن كيف يبررون أن يستهدفوا طلبة يتخرجون اليوم من صرح علمي شيد على غفلة منهم .. شباب في عمر الزهور يستقبلون حياة جديدة بعد التخرج ويستعدون لخدمة هؤلاء الذين يقتلونهم يوميا.. لإسعاف من يستهدفونهم كل ساعة طبيا. شباب كانوا يمثلون أمل هذا الشعب في المستقبل الباهر.
الحفل الذي استهدفوه بالتفجير كان من بين الحضور فيه الطلبة الخريجون وأولياء الأمور وأساتذة الجامعات إضافة إلى عدد من الوزراء في الوزارات الخدمية التي تقدم الخدمات الأساسية للشعب. هؤلاء الوزراء للأسف كانوا يعرفونهم شخصيا واحدا واحدا لأنهم عملوا معهم في فترة المحاكم الإسلامية. ولكنهم عندما اختلفوا معهم وصموهم بالعمالة وبالردة فحكموا عليهم بالموت أينما وجدوا إلى ذلك سبيلا، ولا يفيد نفيهم غير تأكيد إثبات كما قلت.
الوزراء الذين سقطوا شهداء أعرفهم شخصيا وقضيت معهم أوقاتا كبيرة في فترة العمل الدبلوماسي المقاوم منذ ما قبل تأسيس “تحالف إعادة تحرير الصومال” ولا سيما الوزيرين المغفور لهما أحمد عبد الله وإبراهيم حسن عدوا، أكلنا وشربنا معا وجمعتنا ذكريات مختلفة في مواطن كثيرة في صنعاء والدوحة وجيبوتي وأسمرة.
أعرف وطنيتهم وتفانيهم في خدمة شعبهم، وكانوا أيضا من المقربين إلى الرئيس شريف – أعانه الله في تحمل المصاب – عرفت أحمد عبد الله وعملت معه منذ ما قبل سقوط سياد بري في صحيفة “نجمة أكتوبر” حيث كنت أعمل منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي. وخلال الحرب الأهلية بقي في الصومال متفانيا في خدمة الشعب وكان نجما في المجتمع المدني وترأس “رابطة التعليم النظامي الأهلي” في الصومال التي كان مظلة تجمع تحتها الكثير من المؤسسات التعليمية الأهلية في الصومال بل كانت بمثابة وزارة التربية في عهد ما بعد سياد بري. والتقيت به بعد ذلك في الدوحة حيث كنا نشارك في مؤتمر المصالحة والمصارحة بعد استيلاء المحاكم على الحكم بشهر وكان جاء من مقديشو ضمن وفد المحاكم وجئت من لندن كباحث مستقل قدمت ورقة مشتركة مع صديقي الباحث عمر إدريس. وهناك تذاكرنا سابق العهد الذي كان.
وبعدها التقينا وعملنا مع بعض كثيرا داخل التحالف. وكنت أعمل نائبا له كمسؤول لمكتب الإعلام في التحالف.
في يونيو ٢٠٠٨م عندما كان الشيخ شريف ومجموعة من قيادات التحالف في صنعاء يجتمعون مع الفريق الرافض للمفاوضات لتقريب وجهات النظر، مررت على صنعاء لأكون قريبا من الأحداث. فرأيته هناك وقضيت معه معظم الوقت في الفندق الذي يقيم فيه. وتعرفت في اليمن على طلبة من الصومال يدرسون في الجامعات اليمنية ولا سيما في جامعة العلوم والتكنولوجيا. وكانوا يجلون الرجل كثيرا وكأنه أستاذهم ولاحظوا استغرابي فقالوا لي “إن الأستاذ أحمد هو الذي حصل لنا على هذه المنح التي نستمتع بها الآن” وكان هؤلاء الطلبة معظمهم من الخريجين في ذلك العام. ومن بينهم عشرون طبيبا كانوا سيعودون إلى الصومال بعد التخرج ليخدموا أمتهم. وكان له مثل هؤلاء الطلبة الذين يرجع له الفضل في حصولهم على المنح في العديد من البلاد العربية. وقبل مقتله كان يجوب العواصم العربية ليوطد ويعزز الروابط التعليمية بين الصومال والدول الشقيقة.
وأما البروفيسور د. إبراهيم عدو فبدأت معرفتي الشخصية به عندما زار لندن في يوليو عام ٢٠٠٧م حيث جاء للمشاركة في المؤتمر الذي نظمناه في مدينة ليستر لحشد أكبر عدد من الرافضين للاحتلال الأثيوبي حتى نوحد الجهود. ووتمكنت حينها بالتعاون مع بعض من أصدقائي من الباحثين الغربيين من إقناع المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتهام هاوس) – وهو من أكبر المعاهد الاستراتيجية الغربية – أن يعقد له جلسة خاصة للاستماع إلى رؤية المحاكم الإسلامية التي كانت منبوذة في الغرب ولا سيما بعد الاحتلال الأثيوبي. فألقى الرجل في عشرين دقيقة فقط كلمة جامعة اتسمت بدبلوماسية كبيرة، ثم رد على أسئلة محرجة للموجودين أبهرتهم وغيرت رأيهم.
حتى أن أحد كبار الباحثين المختصين بمنطقة القرن الأفريقي أسرّ لي فيما بعد بأن “هذا الرجل غير رؤيتي للمحاكم الإسلامية”. وبعدها كان الكثير منهم يسألونني لماذا لا يعين عدّو رئيسا للتحالف؟
وفي لندن توطدت علاقتنا واجتمعنا في مناسبات عديدة وقربني إليه أكثر صديقي عمر إدريس لأنه كان صديقا مقربا له. وبعدها توطدت بيننا العلاقة وجمعنا الكفاح مرارا في الدوحة وفي صنعاء وجيبوتي. وأشهد أنه كان كثير الحب للإسلام متفانيا فيه ولأجله ترك الإقامة الفارهة في أمريكا وبعدها الإمارات العربية المتحدة التي كان يدرس في جامعاتهما. وعرضت عليه عروض التدريس في العديد من الجامعات الأخرى خارج الصومال إلا أنه رفض إلا أن يخدم أهله في الصومال.
وبعد أن أصبح وزيرا حاول أن يصلح وزارة التعليم العالي من الفساد الذي لحق بها في عهد الحكم السابق فطهرها من المحسوبية وبيع المنح المخصصة للطلاب الصوماليين في الدراسات الجامعية والعليا. وتمكن من الحصول على منح عديدة زيادة على ما كان مخصصا للصومال.
ولكنهم لم يتركوه يواصل المسيرة.. فاستهدفوه وأردوه قتيلا.
هناك الكثير ممن نبكيهم في هذا المصاب العظيم .. ما ذنب الطلبة الذين أمضو لياليهم سهرا لمثل هذا اليوم العظيم، ما ذنب أولياء الأمور الذين فضلوا أن يجوعوا ويتعلم أولادهم ليخدموا شعبهم؟ ما ذنب الصحفيين ؟ ما ذنب أساتذة الجامعات؟ ما ذنب رجالات المجتمع المدني؟
بالتأكيد إجابة الحركة المجنونة بالقتل والتدمير أنهم ليسوا من الشباب وأنهم ماداموا كذلك فإنهم مرتدون مهدورو الدم!!
هل هذه الحادثة ستفتح أعين الشعب أكثر على هوية هذه الحركة؟ كذلك ظننا من قبل .. ولكن لم ينتفضوا عليهم.. !! وكذلك نظن اليوم.. ولن ينتفضوا!! ولكنا لا نشك أن الشعب يراكم أخطاءهم في مخيلته أو وعيه ولا وعيه .. وإذا قام سيقوم بانتفاضة كتلك التي قام بها على أمراء الحرب السابقين عام ٢٠٠٦م بعد أن صبروا عليهم ستة عشر عاما.
يواسينا في الذين قضوا اليوم أنهم ماتوا شهداء وهم يؤدون واجبهم الديني والوطني .. ومليشيات الشباب يقضون وهم يؤدون واجب الشيطان في القتل والتدمير والترويع..
ولكنا نطمع في أن يصبهم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا متربصون!
