الصورة: أداء أعضاء البرلمان الصومالي اليمين، 2012 — AMISOM Public Information، ويكيميديا كومنز (CC0) — صفحة الصورة
نُشرت هذه المقالة أولًا في «شبكة الشاهد الإخبارية» (arabic.alshahid.net) بتاريخ 12 سبتمبر 2012. الموقع متوقف الآن، وهذه نسخته المحفوظة في أرشيف الإنترنت.
انتهاء عرس الانتخابات التي عقدت يوم الاثنين العاشر من سبتمبر ٢٠١٢ بسلام دون حدوث مشاكل أمنية أو عراقيل فنية في اللحظات الأخيرة تعرقل سير العملية الانتخابية بحد ذاته كاف لإدخال الفرح والسرورعلى قلب كل مواطن وطني، ذلك لأنها أول انتخابات في داخل العاصمة الصومالية منذ أكثر من ٤٠ عاما. ولكن أن تأتي النتيجة كما جاءت بفوز كاسح لمرشح التغيير الحقيقي وهزيمة ساحقة للفاسدين الذين لوثوا الحياة السياسية الصومالية فالفرحة مضاعفة.
القليل منا كان لديه الأمل في أن يتمكن هذا البرلمان من أن يغير شيئا من الواقع نظرا لما شاب عملية خارطة الطريق من تجاوزات ومحاولات تحريفها عن مسارها وكان موجها ليأتي بنتيجة تعيد لنا نفس الوجوه الكئيبة التي لم تكن لتحرك شيئا إلى الأمام. ولكن النواب قاموا بانتفاضة حقيقية واستمعوا إلى ضمائرهم وإلى صوت الشعب، وحققوا لنا ما لم نحلم به.
في رحلتي الأخيرة إلى مقديشو التقيت بالكثير من مرشحي الرئاسة وبعضهم التقيت بهم قبل سفري إلى مقديشو، وقمت بتقييم لما يحدث ولما يعتمد عليه كل واحد مما يعتقده عوامل نجاح في حملته. الكثير منهم طلبوا منا دعمهم إعلاميا او الوقوف معهم علنا أوالانضمام إلى فريق حملتهم، وكنت اعتذر عن ذلك بلباقة واشرح لهم أننا كمؤسسة بحثية وإعلامية لا ينبغي أن ندعم مرشحا واحدا بل يجب أن نبقى محايدين ونتناول قضية الانتخابات بموضوعية. وأعتقد أننا التزمنا بذلك فعلا. ولم ننزلق في تأييد مرشح واحد دون آخر.
وكان المرشح الوحيد الذي شعرت بأنه يحمل قضية ويعرف ما يريد ولديه فريق متكامل بينهم انسجام ويعمل على هيئة مؤسسة حزبية أنشئت أصلا بهدف المشاركة السياسية قبل عامين من الانتخابات هو المرشح حسن شيخ محمود. وقد جمعتني معه عدد من الجلسات الخاصة والعامة وتناولنا معه عددا من القضايا. وأستطيع أن أقول بكل صدق أنني اقتنعت به وبفريقه دون أن أعلن لهم ذلك، حتى أبقي على حيادي، ولكني قلت لمقربين مني من أصدقاء غير منهمكين في الانتخابات أن هذا هو الرئيس القادم وفريقه مرشح للفوز.
الكثير من المراقبين الصومالين والأجانب تفاجأوا كثيرا بالنتيجة التي أعلنت، فقد كانت كل المؤشرات لا تبشر بخير كثير في قدرة فريق التغيير على الفوز على الفريق الموقع على خارجة الطريق ولا سيما الشريفين، فأحدثت هذه النتيجة دويا كبيرا، وكان طبيعيا أن يبحث كل واحد عن تفسيرلما حدث. وقد تلقيت عددا من المكالمات من أشخاص وجهات رسمية تحاول التعرف على تفسيري لما حدث وما أتوقعه لمستقبل الصومال على ضوء هذه النتيجة وقد أجبت عليهم بقدر فهمي.
كان التركيز في وسائل الإعلام الصومالية والأجنبية على الممسكين بأزمة الأمور في البلاد وليس على القوى الجديدة، سوى ما كان مملوكا منها لأحد المرشحين أو الجهة التي تدعمه أومدفوع الأجر مفضوحا. ولذلك لم تظهر مكامن القوة التي تعتمد عليها قوى التغيير الحقيقية وما تملكه من عوامل نجاح مبشرة.
وهؤلاء الذين ركزت الأضواء عليهم كانوا أيضا يستخدمون نفس الأساليب القديمة والعتيدة التي جربت كثيرا في التأثير السياسي وفي إحراز الفوز بالانتخابات في الصومال وهي التي كان الرئيس المنتخب يختلف عنهم فيها ويمتاز عليهم، ويمكن إيجاز ذلك فيما يلي:
الاعتماد على المال: لقد رسخ في أذهان السياسيين الصوماليين أن البرلمانيين تشترى ذممهم بدراهم معدودة لكي يعطوك صوتهم. فكان كل سياسي يحاول أن يجلب من هذا المال لنفسه بأي طريقة حتى يستطيع التأثير على النتيجة، ولم يكم هذا الأمر خافيا فقد كان القائمون على الحكم يتلقون الملايين لإنفاقها على الانتخابات وآخرها ما كتبت عنه وكالة رويترز ونشرته معظم وسائل الإعلام من أن ملايين الدولارات استخدمت لرشوة أعضاء البرلمان للتصويت للرئيس السابق شريف شيخ أحمد. وهذا ليس بدعا ولم يكن وحده في ذلك بل الكثيرين من السياسيين الصوماليين يعتمدون على ذلك للنجاح. في مقابل ذلك، لم يكن الرئيس المنتخب يملك تلك الملايين التي تصرف يمينا وشمالا، بل كان كل ماله هو ما يملكه حزبه المتواضع، وكان لا يؤمن أصلا بمبدأ شراء الأصوات. وقد سألت مدير حملته الانتخابية “هل لديكم ما توزعونه على النواب لأن هذا هو الفيصل في النهاية؟” فقال: “نحن نريد شرعية حقيقية ولا نرضى بأن نكسب تلك الشرعية بشراء الذمم، كيف يمكن لمن يشتري الأصوات أن يحترم نفسه بعد الانتخابات، وكيف سيحارب الفساد إذا كان هو نفسه وصل إلى منصبه بالفساد؟”
البحث عن داعم من دول الجوار: الكثير من السياسيين والمرشحين السياسيين يركزون كثيرا على ترضية الجهات الخارجية وتطمينهم بل والحصول على الدعم المالي والمعنوي منهم بدل السعي لكسب ود الشعب نفسه، لأنهم يعتقدون أن السياسة الصومالية محكومة من هؤلاء وما لم ترض عنك هذه الجهات فلن تنجح أبدا! في مقابل ذلك، لم يكن هو مدعوما ولا مدفوعا من دول الجوار، بل لقد كان عيبه الذي يعيبه عليه الكثيرون أنه لا يعتمد على قوة خارجية ولا سيما دول الجوار.
بدء الحملة الانتخابية في وقت متأخر: معظم المرشحين بدأوا الحملة مع قرب الانتخابات بل بعضهم بدأ وأعلن ترشحه قبل أيام أو أسابيع من إعلان موعد الانتخابات. في مقابل ذلك، بدأ حملته منذ تأسيس حزبه قبل عام ونصف من الآن، وشهدت الجماهير في مقديشو عمله وعمل حزبه خلال المؤتمرات التي كان يعقدها الحزب وخلال المجاعة التي ألمت بالصومال العام الماضي.
الثقة الزائدة بالذات لحد العنجهية: كان بعض المرشحين اغتروا بما لديهم من مال وسطوة وما اعتقدوا أنه لديهم من شعبية وقبول وقدرة على الإقناع، بل وعلاقات بجهات خارجية. وأضرب هنا نموذجين لذلك، أحدهم قال لي في مكتبه عندما سألته عن سر ثقته بالفوز “اسمعها مني، إما أنا الذي سأفوز أو من أدعمه وفي الحالتين أنا المنتصر” وآخر كان مطمئنا إلى أنه سيكون الفائز من الجولة الأولى ولم يكن يعمل حسابا لأحد بل كان يستخف بزملائه من المرشحين ولم يكن يشاركهم حتى النقاش أو تشكيل الكتل، وكأنهم كلهم يحتاجون إليه وهو لا يحتاج إليهم، ويوم الامتحان وجه له البرلمانيون ضربة حيث لم يصل حتى إلى الجولة الثانية. والغريب أن معظمهم كانوا ينادون باسم “فخامة الرئيس” وكأنه لقب رسمي له احتفاء به من قبل محبيه واستهبالا له من قبل الآخرين. في مقابل ذلك، كان هو متواضعا جدا كما يشهد له جميع عارفيه، ولا يحب الصخب في القليل الذي يقوم به ولا التفاخر والتباهي بما قدمه لشعبه، وظن بعض الناس أنه يفتقد إلى الكريزما الشخصية، ظانين أن الظهور بمظاهر العنجهية والاختفاء عن الناس مما يكسب الكاريزما. ومع ذلك فقد كان لدى فريقه ثقة بالفوز، فقد ذهبت لوداع الأستاذ فارح شيخ عبد القادر، مدير الحملة الانتخابية عندما كنت أغادر مقديشو في أواسط أغسطس، وأكدت له أنني راجع بعد الانتخابات، فقال “ستأتينا في قصر الرئاسة إن شاء الله!” فقلت له باللهجة المصرية “من بُقك لباب السما”.
عدم الاعتماد على مؤسسة: معظم المرشحين كانوا يمثلون أنفسهم ولم يأتوا من مؤسسات من الأحزاب السياسية، بل يمكن القول أن كل واحد منه يمثل نفسه باستثناء مرشحين هما البروفيسور أحمد إسماعيل سمتر الذي جاء ممثلا لحزب “هيل قرن” ولكن حزبه جديد وليس له تواجد داخل الصومال فهو حزب أسس في المهجر وما زال في المهجر وأعضاؤه من النخبة ولم يشهد له عمل كبير منذ أسس، وكذلك المرشح محمد عبد الله فرماجو، رئيس الوزراء الأسبق الذي أيضا أسس حزبا في المهجر قبل أشهر من الانتخابات، ولم يزد عمله على المهرجانات الخطابية في عواصم المهجر الصومالي. في مقابل ذلك، اعتمد الرئيس المنتخب على حزب له حضوره في مقديشو ويعرف الناس ويعرفه الناس وهو حزب السلام والتنمية، وبالرغم من أنه حديث نسبيا إذ لم يمر عليه سوى عام ونصف العام منذ تأسيسه إلا أنه المرشح الوحيد الذي يعتمد على مؤسسة حزبية وليس فردا قائما بذاته. وكان للحزب مواقفه من القضايا السياسية في البلد والتي كان يعلنها دائما سواء تجاه المصالحة أو المؤتمرات الخارجية ، أو المشاركة السياسية للمرأة أو الاهتمام بدور الشباب وغيرها.
بهذه المزايا استطاع الرئيس المنتخب وفريق حملته وحزبه من اكتساح الانتخابات، والفوز على الكثيرين ممن كانوا يثيرون الكثير من الضجيج. فقد عملوا في صمت ولكن كان عملا مؤثرا يعرف أين يبدأ وأين ينتهي.
وحين أجرينا استفتاء حول الرئيس المفضل لدى القراء في شبكة الشاهد من بين المرشحين مرتين جاءت النتيجة لصالح حسن شيخ محمود وبتقدم كاسح بالضبط كما حدث في الانتخابات بالرغم من أن المستفتين غير الناخبين الحقيقيين، وهذا من تصاريف القدر.
ولنا عودة …. حول توقعاتي لمستقبل الصومال على ضوء هذه النتيجة
