الجمهورية الصومالية الثالثة تولد من جيبوتي

الجمهورية الصومالية الثالثة تولد من جيبوتي

الصورة: خليج تاجورة كما يُرى من مدينة عرتة — Skilla1st، ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 4.0) — صفحة الصورة

شارك:

نُشرت هذه الافتتاحية في مجلة «المؤاخاة» الإلكترونية في باب «أول الغيث»، وكان الكاتب رئيس تحريرها. لم يُحفظ تاريخ العدد، ويُقدَّر نشرها في أواخر أغسطس 2000، بعد انتخاب البرلمان الانتقالي في مؤتمر عرته. المجلة متوقفة الآن، وهذه نسختها المحفوظة في أرشيف الإنترنت.

بعد عام تقريبا من إطلاق الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلي لمبادرته لحل الأزمة الصومالية من على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة.. آتت المبادرة ثمارها بعد انتظار وترقب لما سيفر عنه المجتمعون في مدينة «عرتة» حيث نصبت خيمة كبيرة اجتمع فيها مايربو على 2500 شخصا من شيوخ القبائل وممثلين عن منظمات المجتمع المدنى الصومالية والمفكرين والمثقفين والسياسيين المحضرميين.

وشهدت أروقة المؤتمر شدًّا وجذبا بين القبائل هدد في بعض الأحيان بانهيار المؤتمر كما هددت بعض القبائل بالإنسحاب من المؤتمر ولكن إخلاص الجهة المشرفة وتنظيمها الجيد للمؤتمر حالت دون حدوث الكارثة..

وأخيرا انتخب المجتمعون أعضاء البرلمان الصومالي المؤقت ضم جميع القبائل والعشائر والأفخاذ الصومالية الثالثة.

وأعطته زخما شعبيا كبيرا حيث شعر الجميع أن الإنتخابات كانت ديمقراطية ونزيهة لدرجة علق عليها أحد المراقبين أنه لم تحدث أبدا انتخابات بهذه النزاهة والديمقراطية في أي بلد أفريقي. وكان المراقبون يتساءلون بعد انتهاء انتخاب الرئيس حول كيفية انتقال هذه المؤسسات إلى الصومال ولاسيما مقديشو العاصمة التي يطلق فيها بارونات الحرب المعارضة للمؤتمر تصريحات صحفية نارية مهددين المشاركين في المؤتمر وملوحين باستخدام القوة إذا حاولت الحكومة المنتخبة في «عرتة» دخول مقديشو، ومن المراقبين من استبعد امكانية نجاح هذه الحكومة في مواجهة معارضيها المسلحين, بل خمن بعضهم أنها ستبقى حكومة في المنفى وستنتهي السنوات الثلاث التي حددت لها وهي خارج الصومال!!

ولكن المعجزة حدثت حين أعلنت رسائل الإعلام المختلفة نبأ وصول الرئيس الصومالي المؤقت عبد القاسم صلاد حسن ونزوله في مطار «بلدوغلي» ونقلت للعالم أجمع ترحيب الشعب الصومالي بكل فئاتة الإجتماعية له ولمرافقية السبعين وهو يلوح لهم بيده وهم يلوحون له بأغصان الشجر الخضراء.. ويهتفون مرحبين به.. وكان الأغرب ان تشارك مليشيات المعارضين في الترحيب وهم يحملون شعارات تبدي استعدادهم لتسلم السلاح..

وبارونات الحرب الذين ذهبوا إلى صنعاء عاصمة اليمن فاغرة أفواههم وقد أسقط في أيديهم وحملت الجموع الرئيس ومرافقيه إلى ملعب مقديشو الكبير ليلقى كلمة للشعب، ولم يستطع إكمالها حيال هتافات الشعب وزغاريده..

وبمجرد وصول الرئيس ارتفعت الحواجز التي يضعها عصابات المليشيات في شوارع مقديشو.. كما أزيل الخط الوهمي الذي كان يفصل بين جنوب مقديشو وشمالها.

وافتتح الطريق بين بيدوة ومقديشو الذي كان مغلقا منذ سنوات.. ولم تسجل حادثة إطلاق نار واحدة في ذلك اليوم على مستوى الصومال بأكملها.

وبعدها زار الرئيس مدينة بيدوة التي يتوقع أن تكون العاصمة المؤقتة للحكومة الحديثة ولقي هنالك ترحيبا منقطع النظير أعظم من الذي لقيه في مقديشو.. وكان في برنامجه زيارة أكثر المحافظات الصومالية التي تلقى منها دعوات لزيارتها ولكنه قطع برنامجه ليشارك في مؤتمر وزاراء خارجية الدول العربية المنعقد في القاهرة ليلقى كلمته التي تتضمن رسالة خاصة من الشعب الصومالى موجهة إلى القيادات العربية ومن هنالك توجه إلى نيويورك ليشارك في مؤتمر القمة السنوي للأمم المتحدة.

والشعب الصومالى كله ومحبوه يتابعون هذه الأخبار بشغف بالغ.. وهم يرون سيادة وطنهم وسمعته ومركزه الدولى يعود من جديد بعد عقد من الحرب الأهلية المدمرة.

وقد قطع الرئيس صلاد السبيل على المتمردين في الأعتراف بالحكومة بحنكته حيث قال:«نحن لسنا بحاجة إلى الإعتراف.. بل إلى الدعم.. فالصومال ليست دولة مستقلة حديثة.. فقد نالت استقلالها منذ أربعين سنة وتم الاعتراف بها ولها مقعدها في الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية ومنظمة المؤتمر الإسلامى ودول عدم الإنحيار وجامعة الدول العربية والمنظمة الإقليمية لمكافحة التصحر…… ولكن الإدارة الصومالية كانت في غيبوبة وقد استيقظت الآن لتلعب دورها الدولي والإقليمى»

وهكذا تتابعث الأحداث لتطوى الزمن وتحقق دولة صغيرة كجيبوتي تحت قيادة القائد الحصيف إسماعيل عمر جيلي.. ما عجز عنه الكبار في عشر سنوات..وتحقق ذلك في زمن قياسي.

ومعلوم أنه كانت قد سبقت هذا المؤتمر مؤتمرات عديدة وصلت إلى اثني عشر مؤتمرا عقدت في عدد من عواصم العالم أديس أبابا والقاهرة وصنعاء وبيروت وجيبوتى.. ولكنها كانت تسفر عن حكومات ميتة تموت في مهدها.. فما هي الأسباب أو العوامل التي جعلت لمؤتمر عرتة كل هذا النجاح والزخم؟..

هناك عدة عوامل سنتابعها في العدد القادم إن شاء الله..