الصورة: مدينة بورما في شمال غرب الصومال — Hana Omar، ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 4.0) — صفحة الصورة
نُشرت هذه الافتتاحية في مجلة «المؤاخاة» الإلكترونية في باب «أول الغيث»، وكان الكاتب رئيس تحريرها. نُشرت في العدد 33، ولم يُحفظ تاريخه، ويُقدَّر بمطلع مارس 2000 من مضمونها. المجلة متوقفة الآن، وهذه نسختها المحفوظة في أرشيف الإنترنت.
وفي الشمال نشهد تأييدا كبيرا ومتناميا للمبادرة الجيبوتية، تبدت مظاهرها في البيانات التي صدرت من أعيان محافظة (أودل). كما شهدت مدينة (بورمة) في شهر نوفمبر الماضي مظاهرات كبيرة تدعوا إلى وحدة الأراضي الصومالية، وترفع شعارات مؤيدة لمؤتمر جيبوتي، ومناهضة لانفصال جمهورية أرض الصومال عن الصومال الكبرى. وتزامنت هذه المظاهرات مع زيارة السيد «محمد إبراهيم عجال» رئيس ما يسمى بجمهورية أرض الصومال لتلك المدينة، مما أدى إلى اتهامه لجيبوتي بإثارة القلاقل والتدخل في الشئون الداخلية لجمهورية أرض الصومال. وأدى ذلك إلى إغلاق الحدود بين جمهورية جيبوتي وجمهورية أرض الصومال. إلا أن الأمور تحسنت فيما بعد إثر زيارة وفد وزاري ورئاسي من جمهورية أرض الصومال لجمهورية جيبوتي. حيث أبرموا اتفاقيات حسن الجوار، وتم فتح الحدود بعد ذلك.
أما في المحافظات الوسطى، والخاضعة للإدارة الإقليمية التي أطلقت على نفسها (بونت لاند)، فقد أصدر رئيس تلك الإدارة الكولونيل «عبد الله يوسف» في أول الأمر بيانا أعلن فيه استعداد إداراته للمشاركة، وأنه بصدد إعداد قائمة بالشخصيات التي ستمثل إدارته في المؤتمر. وكان يشتم من ذلك في حينه أن هذه الإدارة راضية عن مبادرة جيبوتي. كما شهدت تلك المحافظات أيضا مظاهرات حاشدة لتأييد المبادرة الجيبوتية.
ولكن الأمور تطورت لتأخذ منحى معاكسا كلما اقترب موعد المؤتمر، وهو العشرين من أبريل القادم. فتباينت وجهات نظر زعماء الحرب في المشاركة، ففي مقديشو العاصمة صرح «حسين عيديد» و«محمد قنيري أفرح» معارضتهم وعدم استعدادهم للمشاركة في المؤتمر. ففي حفل أقيم لاستقبال «عثمان عاتو» في مقديشو. وجه «قنيري» انتقادات للحكومة الجيبوتية، متهما إياها بأنها تطلق كلمات زعماء الحرب على زعماء مقديشو فقط. وأضاف (أن الحكومة الصومالية التي ستشكل في جيبوتي قد جهزت قائمتها، ولم نر أنفسنا في تلك القائمة«وقال» عثمان عاتو”: إن مؤتمر جيبوتي يقسم ولا يوحد، محذرا العشائر المنتمية إلى جبهة المؤتمر الوطني الصومالي عن المشاركة فيه.
ولكن هذه المواقف ووجهت بمظاهرات شعبية عارمة في داخل مقديشو تتجه عكس تيار زعماء الحرب هؤلاء. كما برز سياسيون أيدوا مؤتمر السلام الجيبوتي بالفم المليان وبالمطلق. وكان أبرزهم السيد «علي مهدي» الذي عاد إلى مقديشو مؤخرا، حيث أبدى تأييده للمؤتمر، وأنه الفرصة الأخيرة للشعب الصومالي.
ومن الزعماء المؤيدين للمؤتمر في مقديشو «محمد فرح جمعالي» و «عبده حسن عوالي» وهم من المؤتمر الوطني الصومالي. فقد دعوا في مؤتمر صحفي في أواخر شهر فبراير الماضي عشائرهم إلى المشاركة في المؤتمر، وعدم تضييع الوقت والفرص، وشاركهم هذا الموقف «عيسى وهليي» و «حيري قاسم» وهم من نفس قبيلة الهوية.
أما في مدينة (كسمايو) التي ترتبط سياسيا في الوقت الحاضر بمحافظة (بنادر) و (جدو)، فيقال إن الزعماء فيها سيتخذون نفس المواقف التي سيتخذها من يرتبطون بهم سياسيا.
أما في المحافظات (باي) و (بكول) فلم تتضح الصورة فيها بعد، ولم يصدر بيان أو إشارة من الإدارة التي شكلتها جبهة جيش إنقاذ رحنوين.
وفي محافظة (هيران) لم يسمع صوت معارض للمؤتمر. كما فسرت زيارة أحد سياسيي المحافظة وهو الكولونيل «عمر حاشي» إلى جيبوتي بدعوة من الحكومة الجيبوتية بأنه تأييد للمؤتمر.
أما في محافظة (بونت لاند) فقد تطورت الأمور إلى انقسام حاد بين الإدارة الممثلة بالكولونيل «عبد الله يوسف» وأفراد الشعب، حيث أعلن الكولونيل معارضته للمؤتمر. فقامت مظاهرات عارمة تعارض تصريحاته، ووجهت من قبل قوات الشرطة المحلية مما أدى إلى مقتل اثنين من أفراد الشعب.
ويقف الجنرال «محمد أبشر موسى» رئيس الجبهة الديمقراطية للإنقاذ في مواجهة الكولونيل مؤيدا للمؤتمر.
وفي جمهورية أرض الصومال انطلقت مظاهرة يبدوا أنها كانت موجهة من قبل الحكومة، حيث كان أكثر المتظاهرين من النساء والأطفال تؤيد الموقف الرسمي الذي أعلنه برلمان أرض الصومال بعدم المشاركة في المؤتمر، وأن أي واحد من المحافظات الشمالية يشارك في هذا المؤتمر سيعتبر مذنبا لدى شعب صومالي لاند.
ولكن هناك بعض السلاطين أو شيوخ القبائل الذين لا يخفون تأييدهم للمؤتمر، بل وشاركوا في الاجتماعات التمهيدية له في جيبوتي، ولم تستطع الحكومة المساس بهم.
وعلى كل فإن الحصيلة النهائية التي يخرج منها المراقب، هي أن الشعب الصومالي الذي يعيش في الداخل يؤيدون المؤتمر، وأنه لا توجد قبيلة أو عشيرة اتفقت بنسبة 100% بعدم المشاركة في المؤتمر. إذ يبدوا أن الشعب قد بلغ منه التعب مبلغه، وأنهم يريدون إيجاد حكومة صومالية بأي ثمن، وليرأسها من يرأسها. وأن المعارضة للمؤتمر تأتي من قبل زعماء الحرب الذين يرون أن المبادرة الجيبوتية تقص أجنحتهم، وتجردهم من امتيازاتهم، ويهدم دورهم السياسي، وهذا هو السبب الوحيد الذي يجعلهم في صف المعارضة لهذا المؤتمر. وهذا يؤكد نضج الشعب الصومالي إلى حد ما، ومعرفته بمصالحه، والتي لن يسمح لأحد بالتلاعب بها بعد الآن وهذا أول الغيث.
وإذا نجح المؤتمر الذي سيعقد في جيبوتي، في العشرين من شهر أبريل القادم في تشكيل حكومة صومالية موحدة تعيد للصومال سيادتها. – وهذا ما نرجو له- فإن الغيث سيعم الصومال متتابعا. وبالتأكيد فإن تلك الحكومة إذا ما شكلت ستواجه مشاكل عديدة، وربما جديدة من نوعها، إلا أن الأمل في هذا الشعب الصومالي في أن يعمل في إنجاحها لن يخبو بريقه.
