الصورة: فصول دراسية في الصومال — AMISOM Public Information، ويكيميديا كومنز (CC0) — صفحة الصورة
نُشرت هذه المقالة أولًا في «شبكة الشاهد الإخبارية» (arabic.alshahid.net) بتاريخ 24 ديسمبر 2009. وكانت قد نُشرت قبل ذلك في المجلة الإلكترونية لـ«منتديات الصومال»، وكُتبت في 19 نوفمبر 2009. الموقع متوقف الآن، وهذه نسخته المحفوظة في أرشيف الإنترنت.
قبل أسبوع من اليوم (١٩ نوفمبر ٢٠٠٩م) التقيت بصديق صومالي ناشط كنا أيام الاحتلال الأثيوبي للصومال نعمل معا لمواجهة الاحتلال وفضحه سياسيا وإعلاميا ودبلوماسيا على مستوى أوروبا. ولكن بعد انقسام التحالف من أجل تحرير الصومال كان صديقي ممن آثروا عدم المشاركة في مفاوضات جيبوتي ووقف ضدها، ومع ذلك لم يستسغ أن يعلن أنه مع مجموعة أسمرا فتخلف عن الركب مؤثرا السكوت. وخفّت مشاركته في العمل الذي كنا فيه معا.كانت مناسبة التقائي به في حلقة نقاشية خاصة دعينا إليها في المعهد الملكي للشؤون الدولية في بريطانيا، وكانت الحلقة حول الوضع المتدهور في الصومال. وكما تعودنا دائما بعد انتهاء الحلقة جلسنا نتجاذب أطرف الهم المشترك في قهوة داخل مكتبة ووترستونز (Waterstones) لبيع الكتب القريبة من المعهد.
وخلال حديثنا اتفقنا في تحليلنا مبدئيا حول الوضع القائم من ضعف ذاتي وموضوعي للحكومة في حل الأزمة وتخبطها في انعدام الرؤية والاستراتيجية للخروج من الأزمة وما تقترفه من أخطاء قاتلة تأكل من رصيدها الشعبي والدولي بشكل مستمر.
وواجهني صديقي بسؤال قائلا: – يا محمد كمثقف واع بالمخاطر التي تتهدد الوطن وناشط سياسي بذل جهدا في مواجهة الاحتلال ويرى أن النتيجة في االنهاية صارت مجيء هذه الحكومة العرجاء والعوجاء والتي بالتأكيد ليست بمستوى ما كنا نسعى إليه، ما الذي يمكننا فعله حاليا لإنقاذ الوطن مرة أخرى.
واستشعرت أن صديقي يحاول بالسؤال استدراجي للمشاركة في إنشاء أو تأسيس تكتل سياسي مشترك نخوض به معركة سياسية أخرى نحاول به إنقاذ البلد من منطلق وطني. فقلت له: للأسف الشديد، الخبرة التي اكتسبتها من خلال النشاط السياسي في الفترة الماضية تجعلني أحجم عن المشاركة في أي عمل سياسي جماعي. وأقنعتني أن مشكلتنا ليست سياسية بحتة بل هي مجموعة من القضايا المركبة التي تحتاج إلى عمل من نوع آخر.
قال ماذا تعني؟ قلت: إن الانهيار الذي أصاب الشعب الصومالي لم يكن انهيارا للمؤسسات والمباني وتدميرا للبنية التحتية فقط. بل إن الانهيار كان أعمق من ذلك بكثير فقد أصاب الشخصية الصومالية قبل أن يصيب المؤسسات والمباني وغيرها، أصابت الإنسان الصومالي في شخصيته وتفكيره وسلوكه، وما كان الانهيار السياسي الذي شهدناه وما زلنا نعيش آثاره سوى تجليا ونتيجة للانهيار الأول. ثم بعد الانهيار السياسي وانحلال البناء الخارجي أيضا وفي ظل الممارسات التي كان يقوم بها الساسة برزت ثقافات وسلوكيات كرست وأزمت الإنسان الصومالي أكثر من ذي قبل.
فالانهيار أصاب كل فرد نفسيا وعقليا وسلوكيا وأصبحنا بذلك مجتمعا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا بل لا يستحي من اقتراف كل جريمة هي في نظر الأصحاء عقليا تعتبر جنونا ثم بعد ذلك يتباهى بها ويرى فيها بطولة ومروءة.
تفكيرنا أصبح قبليا في النظر إلى الأشياء كلها وكلما جلس اثنان لتبادل أطراف الحديث حتى المثقفين منهم يستمع أحدنا إلى الآخر بكونه معبرا عن قبيلته وليس عن نفسه ورأيه.
وأعتقد أن اي عمل سياسي نفكر في القيام به مستقبلا سيأخذنا فيه الحماس وسنتفق فيه في الرؤية والمنطلق ولكنه في النتيجة سيصبح عملا آنيا يسعى إلى التغيير السياسي العاجل، ثم نكتشف أن أولئك الذين كنا نراهم أكثرنا نشاطا ونحسبهم أكثرنا إخلاصا وتفانيا في العمل، كانوا يبذلون كل ذلك لكي يصلوا إلى منصب فانٍ لنفسه ليحقق به ذاته المريضة، وأن ما كان يحركه ليس الإخلاص للقضية ولا الإيمان بها.
وقد شاهدت ذلك أثناء جلسات جيبوتي وأسمرة وكيف كان بعضنا لا يختلف شيئا في ذاته وسلوكه عن أمراء الحرب الذين يلعنهم ليل نهار. بل إن معممينا ما هم إلا مجرمين بثياب الأتقياء! وأنهم أشد أفراد المجتمع فسادا وإفسادا ولكنهم يبدون بعكس ذلك فينخدع بهم الأغرار.
ولذلك فإن أي عمل سياسي يسعى إلى تقويض ما هو قائم في النهاية لن يؤدي بنا إلا إلى الاستمرار في الهدم والهدم المضاد لذا أرى أن من يريد الإصلاح ليس أمامه سوى محاولة الإصلاح من الداخل. وإذا كان أحدنا يرى في نفسه قدرة على القيام بعمل سياسي فمن الأحسن أن يجد لنفسه مكانا في داخل هذه الحكومة ليحاول من موقعه إصلاح ما هو فاسد، وليس هدمه وتدميره.
ولا أقصد المكان منصبا سياسيا فقط كما يفهمه قصار النظر بل أي عمل أو موقع إداري في أية مؤسسة حكومية أو أهلية. ومن هنا سيقلل من منسوب الفساد ويسد إحدى منافذه. وبهذه الطريقة يمكننا أن نتفادى عملية التدمير الدائم.
وعلينا أن ننظر إل الأمور بواقعية أكثر فمجتمع انهارت فيه كل المؤسسات وكل البنى الاجتماعية والأخلاقية والثقافية لا يمكن أن يقوم من أنقاضه بين عشية وضحاها ولن يأتيه المنقذون من الخارج، بل المتصدرون للعمل السياسي والاجتماعي فيه هم من نفس طينة هؤلاء الذين تدمروا نفسيا وعقليا لذلك لا بد أن نتوقع الأخطاء تلو الأخطاء، ولذا نقيّم القائمين بحسب التقدم حتى الطفيف الذي يقومون به، وهل يومهم أحسن من أمسهم؟ وما هو منسوب أو درجة التقدم نحو الاستقرار المؤسسي؟ ونلاحظ في ذلك حتى الأشياء الطفيفة التي لا تحسب كثيرا في المجتمعات المستقرة المتقدمة.
قال لي صديقي: أفهم أنك لست مستعدا لخوض تجربة جديدة من العمل السياسي المضاد؟ قلت: هذه رؤيتي وهي أننا ينبغي أن لا نرهق أنفسنا في العمل والنشاط السياسي ونستغرق فيه جهدنا فتستهلك طاقتنا. وأن من يرى في نفسه قدرة على خوض عمل سياسي فليكن في إطار استكمال النقص الموجود والنصح له وليس من خلال مصادمته وهدمه.
بل إنني أرى أن نوجه طاقتنا لمشروع أكبر يحاول إنقاذ الجيل القادم من التأثر بمفاسد الجيل السابق وتغيير وعيه وسلوكه السياسي والاجتماعي والثقافي حتى يرى الأمور بطريقة إيجابية ويعدّ ليكون جيل البناء بعد جيل الهدم والتدمير القبلي.
وهو مشروع لن ينفع من يفكر في أن يجني حصاد جهده بعد عام أو عامين أو حتى خمسة أعوام. بل إنه مشروع يؤسس للمتسقبل ويزرع ليحصد غيره بل يزرع ليحصده الوطن تقدما وازدهارا وتعافيا عن المرض العضال الذي أصابه. وليس عملا يحصد به منصبا أو مكانا ما في المؤسسات الموجودة.
قال لي: وما هو هذا المشروع وعلى ماذا يقوم؟
قلت: أظن أن ما يحتاجه المجتمع الصومالي هو مشروع للتغيير الاجتماعي لتغيير الشخصية الصومالية وهذا يتأتى ببذل الجهد في جانبين اثنين في رأيي المتواضع:
الجانب التعليمي والجانب الإعلامي، تربية وتوعية وتثقيفا. وإنقاذ الجيل القادم من أبناء الشتات من الذوبان ونسيان الوطن. علينا أن نفكر في إنقاذ فلذات أكبادنا ونربطهم بالوطن ونشعرهم بأن هذا الوطن الذي دمره أجداده وآباؤه ينتظره هو لأنه الذي تهيأت له ظروف مختلفة نشأ فيها معافى عن أمراض القبلية.
ثم نجهد في تجويد وتحسين مستوى التعليم في الصومال ونؤسس استراتيجية تعليمية ذات رؤية محددة تعرف ما الذي ستنتجه للمجتمع بعد عشرين عاما. وليس بالطريقة التي تحدث الآن وهي طريقة عشوائية لا تمت إلى التعليم الصحيح بصلة.
ثم ندعم ذلك بعمل إعلامي وثقافي يقوم باستكمال النقص الآخر ويوعي المجتمع الذي لا يحضر الفصول الدراسية. وبه نغير واقع الإعلام الحالي في الصومال والذي لا يسر أحدا.
هذا المشروع يمكن أن يأخذ عشرين إلى ثلاثين عاما ولكنه يحتاج إلى رجال ينذرون أنفسهم له ويسهرون عليه ويكونون من الجنود المجهولين الذين لا يرجون من أحد أجرا أو ذكرا.
فسألني: ومن تراه يمكن أن يقوم بهذا المشروع الضخم؟
قلت: هذا هو السؤال الجوهري، أو كما يقال هو مربط الفرس .. من تراه يقوم بهذا المشروع أو من هو مستعد حتى لإنشاء البذرة الصحيحة التي ستؤتي ثمارها بعد أجيال من الآن؟ ———— * نشر هذا المقال في المجلة الألكترونية لمنتديات الصومال – العدد الأخير. كتب في تاريخ ١٩\١١\٢٠٠٩م
