الصورة: خليج تاجورة من بلدة عرتة في جيبوتي، حيث عُقد مؤتمر المصالحة الصومالية عام 2000 — Skilla1st، ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 4.0) — صفحة الصورة
نُشرت هذه المقالة في موقع «نقوش» القديم (nuqush.com) بتاريخ 7 نوفمبر 2000.
استبشرت الجماهير الصومالية داخل البلاد وفي المهاجر المختلفة خيرا كثيرا بعد النجاح الذي أحرزه مؤتمر المصالحة الصومالية, الذي عقد بمنتجع عرتة في جيبوتي, والذي انبثق عن اعلان الدولة الصومالية الجديدة برئيسها وبرلمانها بعد جهود كثيفة خاضتها الحكومة الجيبوتية, وتحديات مختلفة واجهتها أثناء فترة انعقاد المؤتمر الذي استمرت أعماله أكثر من ستة اشهر.
ولقد مر حتى الان شهران منذ إعلان هذه الدولة المؤقتة التي حددت فترتها بثلاث سنوات… ولكن مازال في الأفق غيوم تعكر رؤية مستقبلها وإمكانية استمرارها .. ويجعل من الصعب الحكم عليها وعلى أدائها.
كان الشعب الصومالي الذي قضى عشر سنوات في فوضى الحرب الأهلية وانعدام الأمن يتوق إلى ولادة دولة تعيد إليه أمنه وتحرره من ربقة التهديدات التي يطلقها زعماء الحرب, وكان يتمنى- بسذاجة الجماهير-بعد إعلان الدولة أن يغمض عينيه ويفتحهما فيرى الصومال وقدعادت إلى سابق عهدها .. وانتهت فيها الفوضى والتهديدات بالحرب من زعماء الحرب الذين حولوا البلاد إلى كانتونات يحكمها مليشيات تقتات من النهب والسلب, وترتع في أعراض الشعب… ولكن ذلك لم يكن ولا يمكن ان يكون بمنطق الواقعية البعيد عن أحلام اليقظة!!
فالإنهيار الذي أصاب الصومال أكبر من ان يتصوره العقل أو يبلغه النقل. والحكومة الجديدة – أعانها الله – هي كمن يحاول ان يبني بيتا من الأنقاض وسط تهديد مستمر بتدمير كل شيء إذا حاولت رفع حجر.. أو وضع حجرعلى حجر!!
وهي رغم دعم جميع قطاعات الشعب من تجار وعلماء ومنظمات مدنية لم تستطع حتى الآن أن تثبت وجودها على جميع المناطق الصومالية.. لأنها تواجه تحديات ربما تتطلب وقتا لمعالجتها بتقويضها أو ترويضها.
ونحن نحاول فيما يلي قراءة هذه التحديات وإمكانيات الدولة الوليدة واستقراء مستقبلها المنظور.
والحقيقة أن فترة شهرين غير كافية – كماأسلفنا – للحكم على مسار الأحداث في منطقة أصابها الدمار لمدة عشر سنوات … ولا سيما وان فترة الشهرين هذه لم تكن فيها الدولة مستقرة ولا مكتملة الأركان, إذ قضى الرئيس المنتخب الشهر الأول في زيارات لدول العالم وحضور بعض المؤتمرات الدولية والإقليمية استغلها لإثبات وجوده وتبوئه مقاعد المحافل الدولية تعبيرا عن عودة الصومال إلى المجتمع الدولى, وناشد خلال ذلك المجتمع الدولى والدول العربية لدعم الدولة الصومالية الوليدة.. ثم استقرت في العاصمة مقديشو الشهر الثاني وبدأت في جهود حثيثة واستشارات مستمرة لتشكيل مجلس الوزراء بعد تعيين رئيس للوزراء.
التحديات
التحديات تتمثل في أنها تقف عائقا دون استكمال مقومات الدولة ألا وهي الأرض والشعب والسلطة التي تبسط سيطرتها على الأرض والشعب.
فالأرض والشعب موجودان والمفتقد حتى الآن هو بسط السيطرة.. والذي يمنع ذلك ثلاثة أمور تعتبر عناصر التحدي التي تواجه الدولة:
زعماء الحرب.
التدخلات الخارجية.
تأخر المساعدات الخارجية
1- زعماء الحرب
وزعماء الحرب ينقسمون إلى قسمين..:
أ- زعماء حرب يحظون ببعض الدعم في مناطقهم وعشائرهم واستطاعوا أن يشكلوا إدارات في مناطقهم كزعيم أرض الصومال محمد إبراهيم عجال الذي أعلن إنفصال إقليمه عن الجمهورية الصومالية, وهو يحظي بدعم أغلبية قبيلته من الإسحاقيين والذين يمثلون من 70-80 في المئة من سكان شمال الصومال. بالرغم من وجود بعض المعارضين له ولسياساته والذين شاركوا في مؤتمر عرتة ودخلوا في تشكيلة البرلمان وعين بعضهم وزراء في الحكومة الجديدة.
والآخر هو عبد الله يوسف الذي يسيطر على منطقة وسط الصومال وهو زعيم ما يسمى ببونتلاند( أرض البونت) و يحظي ببعض الدعم, ليس من قبيلته( المجرتين) كلها بل من فخيذته فقط.. أما القبيلة التي هو فيها فقد شاركت بكثافة في مؤتمر عرتة ومثلت بسلاطينها وسياسييها ونشطائها ودخلوا في تشكيلة البرلمان والوزارة.. وهو أخف من الأول لأنه لا ينادي بالإنفصال عن الصومال بل يسعى إلى حكم فيدرالي تكون إدارته جزءا منها.
ب- وهناك زعماء حرب سقطت أوراقهم وتكشفت عوراتهم ولكنهم ما زالوا يحاولون التهديد بشن حرب على الحكومة إذا اقتربت منهم وهم جميعا ينطلقون من أغراض شخصية ومصالح ذاتية غير مبنية لا على مصالح الشعب الصومالى ولا على مصالح قبائلهم. وهم أولئك المتواجدين في مقديشو أمثال حسين عيديد وعثمان عاتو وموسى سودي وغيرهم.. ويضاف إليهم زعيم جيش تحرير راحنوين محمد نور شاتي جذود الذي شارك في مؤتمر عرتة ورافق الرئيس عبد القاسم في جولاته.. ثم ذهب إلى إثيوبيا ومن هناك أعلن انسحابه من الحكومة ومعارضته لها وأعلن أسباب معارضته التي رآها المراقبون واهية جدا ولا تمت إلى الحقيقة بصلة وأنه ماقام بذلك سوى بإيعاز من اثيوبيا التي بدأت تعلن حربا خفية على الحكومة الصومالية الوليدة.
وبين هؤلاء الزعماء عداء مستحكم على مدى عشر سنوات .. وما كانت الصومال مأساة لتستمرلولا العداوات التي بينهم , وهم يحاولون أن يوحدوا جهودهم في مواجهة الحكومة الجديدة ولكن يبدوا أنم فشلوا في ذلك حتى الآن.
2- التدخلات الخارجية
وتتمثل في الحكومة الاثيوبية التي هي رأس حربة للولايات المتحدة وإسرائيل، والحكومة الكينية التي تتردد حتى الآن في إبداء الدعم الكامل للحكومة الصومالية تخوفا من غضب بعض الدوائر الغربية.
وترى الحكومة الاثيوبية ومن ورائها الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدوائر الغربية أن نتائج مؤتمر عرتة سحبت البساط من تحت أرجلهم وجاءت بحكومة ستحبط مخططاتهم التي عملوا على تنفيذها طيلة السنوات العشر الماضية، والمتمثلة في جعل الصومال تبتعد عن الحظيرة العربية والاسلامية كما حصل في أرتيريا وتتوجه صوب واشنطن وتل أبيب وتوكون حكومة ضعيفة يديرها عملاء اثيوبيا التي سلمتها الولايات التحدة الملف الصومالى منذ الحرب الأهلية.
فالميثاق الوطنى المؤقت الذي يعتبر بمثابة دستور صومالى يحكم الدولة الصومالية الحالية جاء مخيبا لآمال إثيوبيا والولايات المتحدة والدوائر الغربية لإصراره على ثوابت الشعب الصومالى وانتمائه للعروبة والإسلام، وراهنت اثيوبيا والولايات المتحدة على بعض العلمانيين الموالين لهم ليفوزوا بمنصب رئيس الجمهورية ولكنهم جميعا فشلوا أمام إرادة الشعب لأن الإتنخابات كانت نزيهة بشهادة جميع المراقبين وجاءت النتيجة غير المتوقعة وهي فوز عبد القاسم صلاد بمعظم الأصوات… وهو معروف بتوجهه العربي والقومي.
وكانت أجندة اثيوبيا والولايات المتحدة التي حاول زعماء الحرب وما زالوا يحاولون تنفيذها تقضي بأن تكون الصومال حكومة فيدرالية تتكون من إدارات داخلية متعددة حسب توزع القبائل … وبهذا تصبح حكومة هشة لا تستطيع المواجهة ويسهل تهديدها دائما. وهذا مالم يحصل في عرتة بفضل تماسك القوة الوطنية والإسلامية.
كما أن هناك مخاوف بثتها الأطراف المعادية للصومال في روع الحكومة الإثيوبية والولايات المتحدة وبعض الدوائر الغربية… وهي أن الحكومة الصومالية الجديدة حكومة أصولية .. وأن الرئيس عبد القاسم رجل أصولى.. وهي مخاوف لا أساس لها من الصحة.
ولم يشفع للرئيس الجديد تأكيده المتواصل على إنتهاج سياسة المعايشة السلمية وحسن الجوار في أكثر من مناسبة وهي رسائل لم تصل إلى المعنيين بها كما يبدوا.!!
ولهذا ما إن وصل زعيم جيش تحرير رحنوين إلى إثيوبيا، والذي دعمته اثيوبيا من قبل بالسلاح والرجال، وشارك في مؤتمر عرتة بوصية منها رجاء أن يؤثر على نتائج المؤتمر، أو إمكانية فوزه بمنصب رئاسة الجمهورية، حتى استفردت به وأعطته الأوامر بالإنسحاب من الحكومة الجديدة حتى ينهار أحد أكبر دعاماتها .. فعقد على الفور مؤتمرا صحفيا أعلن فيه أنه استعاد ثقته من حكومة عبد القاسم صلاد وأنه يعارض تنائج مؤتمر عرتة لأنها لم تكن عادلة حسب زعمه.
فخرجت المظاهرات على الفور في منطقته من جماهير الشعب منددة به ومؤيدة للحكومة .. ولكن قمعتها مليشياته على الفور … وحصلت بعض المجابهات فيما بعد أسفرت عن مقتل اثنين واعتقال بعض الشيوخ المؤيدين للحكومة الجديدة من قبيلته، وبالرغم من أن جميع الوزراء ونواب الوزراء الذين عينوا من منطقته جاؤوا حسب توصياته إلا أنه مازال مصرا على تنفيذ المخطط الإثيوبي.
وأثيوبيا ستجد من زعماء الحرب الموجودين في مقديشو وغيرهم ضالتها لمواجهة الحكومة الجديدة بتقويتهم وتسليحهم لخلق المشاكل تلو المشاكل أمام نجاح الحكومة مما سيؤثر على أدائها المستقبلي حسبما يبدوا إذا لم تسرع بتحجيمهم.
3- تأخر المساعدات الخارجية
ويمثل تأخر المساعدات الخارجية ولا سيما العربية منها رغم الوعود الكثيرة التي حصلت عليها الحكومة في جولاتها ولقاءاتها مع الزعماء العرب عائقا آخر أمام إعادة البنية التحتية للصومال المدمر..
فمن شأن هذه المساعدات أن تسهم كثيرا في رفع معنويات الشعب ووقوفه خلف الحكومة إذ ستقضي على المشكلات الإقتصادية ليس أقلها القضاء على البطالة بتوظيف الشباب في قطاعات الدولة بدلا من انضمامهم إلى العصابات أو المليشيات.. وسيجعل زعماء الحرب يترددون في مواجهة الحكومة.
فلم تصل حتى الآن من المساعدات التي وعدت بها الدول والحكومات ماعدا المساعدات اليمنية التي تمثلت في ملابس الشرطة وبعض الأسلحة الخفيفة، قيل أنها تكفي لـ 5000 فرد من أفراد قوات الشرطة الجديدة التي تدرب في معسكرات للحكومة داخل مقديشو .
وللأسف الشديد فإن جامعة الدول العربية حتى الآن لم تعقد إجتماعا على أي مستوى لدراسة الوضع في الصومال ودعم الحكومة الجديدة في التغلب على الصعاب ماديا أولا ، ومعنويا ثانيا، رغم منشدة الرئيس الصومالي المنتخب للدول العربية بأن توضع للصومال خطة مماثلة لخطة مارشال التي وضعت لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
3- أداء الحكومة
ورغم كل هذه المشاكل لا يمكن أن نقول بأن الحكومة الجديدة لم تقم بشيء.. فاستقرار الحكومة في العاصمة مقديشو بحد ذاته بعتبر نجاحا يسجل للحكومة, فقد راهن أكثر المراقبين ولا سيما الأجانب منهم أن هذه الحكومة ستقضي سنواتها الثلاث في المنفى..ولكنها ولله الحمد دخلت إلى مقديشو دخول الفاتحين الأبطال وانزوى من زخم استقبالها جميع زعماء الحرب في جحورهم. ولعل وقوف التجار ورجال الأعمال وجمعيات المجتمع المدني وراءها يمثل رقما صعبا لا يمكن تجاوزه … وهم السياج الذي تحتمي الحكومة من ورائهم.
ثم يأتي إعلانها بفتح ميناء مقديشو خطوة متحدية لزعماء الحرب الذين ما فتئوا يعلنون أنها من الخطوط الحمراء التي لا يمكن للحكومة الإقتراب منها، وإعلانها تسلم مهمة رواتب الشرطة في مقديشو من رجال الأعمال والطلب منهم تقديم حساباتهم التي قدموها إلى الحكومة لتسديدها، وحظر طبع الأوراق النقدية الصومالية واستجلابها وإنذار المخالفين لهذا الحظر باتخاذ إجراءات عقابية، كلها خطوات إلى تأكيد سيادة الدولة على مقديشو وضواحيها التي ما زالت على المحك.
ولكن الشعب مازال يستبطئ خطوات الحكومة في نزع سلاح المليشيات وإخراجهم من قصر الرئاسة المدمر.. وافتتاح ميناء مقديشو ومطارها … الذين بقيا مغلقين ما يقرب من خمس سنوات حتى الآن.
الحكومة مازالت تتبع سياسة الترويض والملاينة باستخدام سلاطين القبائل في إقناع المعارضين من زعماء المليشيات بالإنضواء تحت الحكم ولكنها حتى الآن فشلت في ذلك.. فهل ستأخذ خطوة إلى الأمام لمواجهة هؤلاء الزعماء بالسلاح ولا سيما في مقديشو؟
ولا أظن أنها ستلام في ذلك بعد أن اتبعت جميع الخطوات اللازمة لإقناعهم بالحسنى… ولكنها حسبما أعلنت في كثير من المناسبات لا تريد إراقة المزيد من الدماء الصومالية .. وهذا حق وجميل .. ولكن في بعض الأحيان لابد من استخدام القوة خاصة وأن هؤلاء الزعماء يريدون إجهاض حلم هذا الشعب لخدمة مصالحهم الشخصية، وعمالة لجهات أجنبية.. وأرى أن الحكومة ستضطر لاتباع هذا الخيار في النهاية. وإذا بسطت الحكومة سيطرتها على الجنوب كله فسيكون من السهل إقناع إدارتى بونت لاند وأرض الصومال بالإنضمام إلى الحكومة بحفظ بعض المكاسب لهم ووعدهم ببعض المناصب.
ومن هنا أتوجه إلى جميع الحكومات العربية بعدم استضافة أو دعوة زعماء الحرب في دولهم وعدم الإستماع إلى مبادراتهم ومقاطعتهم مقاطعة كاملة… وإتخاذ موقف جماعى من الحكومة الإثيوبية ودعوتها لوقف التدخل في الشئون الصومالية وعرقلة جهود الحكومة المنتخبة من الشعب الصومالي.
