قراءة في قصيدة «ضجرت الحياة»

قراءة في قصيدة «ضجرت الحياة»

الصورة: طائر يحلّق عند الغروب — Photos Public Domain، ويكيميديا كومنز (ملكية عامة) — صفحة الصورة

شارك:

كتب الكاتب هذه القراءة ناقدًا في زاوية «نادي المبدعين» بموقع «إسلام أون لاين.نت»، التي كانت تنشر قصائد الشعراء الشباب مع تعليق نقدي عليها، ونُشرت بتاريخ 18 سبتمبر 2001 (نسختها في أرشيف الإنترنت).

القصيدة: «ضجرت الحياة» — سعيد السوسي – 12سنة – المغرب

ضَجِرْتُ حَيَاةً عَرَتْهَا الْكُرُوبُ مَقَتُّ مَعِيشًا فَرُمْتُ الْهُرُوبْ
اِلَى رَحَبَاتِ الْفَضَاءِ الْفَسِيحِ وَرَاءَ هَنَاءٍ وَسَعْدٍ قَشِيبْ
فَشَا الظُّلْمُ وَالْمَكْرُ وَالشَّنَانُ تَنَامَى شَقَاءٌ وَشَرٌّ مُرِيبْ
طَغَتْ مُعْضِلَاتُ اقْتِصَادٍ وَحَكْرٍ وَغَبْنٍ وَفَقْرٍ فَدَانَتْ شُعُوبْ
وَعَاثَ فَسَادًا طُغَاةٌ طَغَامٌ وَقَادُوا الرِّقَابَ وَبَثُّوا الْكُرُوبْ
بِأَفْرِيقِيَا جَائِحَاتٌ وَجُوعٌ وَحَرْبٌ ضَرُوسٌ وَحِقْدٌ عَجِيبْ
عَلَيْهَا تُشَادُ الْمَاسِي الْجِسَامُ وَيُعْزَفُ لَحْنُ الرَّدَى وَالنَّحِيبْ
وَالْخَافِقَيْنِ سَمَاءٌ عَلَاهَا دُخَانُ بَرَاكِينِ بُغْضٍ رَهِيبْ
تَعَالَى هَدِيرُ سِلَاحٍ يَطِيرُ وَيَزْحَفُ يَهْفُو لِخَوْضِ الْحُرُوبْ
يُهَدِّمُ بَيْتًا وَيَنْسِفُ جِسْرًا وَيُفْسِدُ زَرْعًا وَيَفْتُرُ ثَغْرٌ بَرِيءٌ كَئِيبْ
أَتُوقُ لِعَهْدٍ تُقَامُ الْأَفْرَاحُ وَتُنْفَى الْمَآسِي وَتُنْسَى الْعُيُوبْ
وَتُقْطَعُ شَافَةُ جَوْرٍ حَقِيرٍ مِنَ الْأَرْضِ طُرًّا لِتَحْيَى الشُّعُوبْ
وَتُرْمَى رَحَى الْحَرْبِ كَيْ لَا تَعُودَ وَيُتْلَى الْوَدَاعُ عَلَى كُلِّ دِيبْ
مَتَى سَيَهِلُّ عَلَيْنَا زَمَانٌ يُلَبِّي الْأَنَامُ نِدَاءَ الْحَبِيبْ
فَنَرْنُو لِدِينِ الْمَلِيكِ يَقُومُ بِكُلِّ الْبِقَاعِ يَجُوسُ الدُّرُوبْ
نَطُوفُ الْمُرُوجَ وَنَمْشِي الْهُوَيْنَى نَشُمُّ نَسِيمًا وَوَرْدًا وَطِيبْ
تُرَفْرِفُ طَيْرُ الْحُبُورِ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ بِرَبْعٍ عَشِيبْ
نُمَتِّعُ أَبْصَارَنَا بِالْجَمَالِ وَنَرْشُفُ مَاءً زُلَالًا سَكُوبْ
وَيَلْعَبُ أَطْفَالُنَا الْأَبْرِيَاءُ وَنَحْنُ نُرَاقِبُهُمْ مِنْ قَرِيبْ
وَتَرْسُو السَّعَادَةُ فِينَا جَمِيعًا وَنَنْسَى كَوَابِيسَ مَاضٍ رَهِيبْ.

النقد والتعليق

هذه بواكير موهبة متدفقة في الشعر، ولا عجب من أن يكتب ابن الثانية عشرة شعرا؛ فمن النبوغ ما يبدأ مبكرا، ومنه ما يتأخر إلى ما بعد الأربعين، ومنه ما يأتي في سن المراهقة، ونبوغ الأطفال ليس غريبا عند العرب؛ ففي كتب التاريخ الكثير من قصص النبوغ الذي يبدأ من الطفولة؛ فابن عباس يفسر ما يعجز عنه كبار الصحابة وهو صبي، والطفل الذي توقف في الطريق ورد على عمر بن الخطاب ردا جميلا بعد أن افترق أقرانه، والصبي الذي اعترض على أبي العلاء المعري في قوله:

وَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ الْأَخِيرَ زَمَانُهُ  لَآتٍ بِمَا لَمْ تَسْتَطِعْهُ الْأَوَائِلُ

فقال له: «وضع الأوائل حروف الهجاء؛ فزد فيها حرفا لا يُستغنى عنه، أو اطرح منها حرفا يُستغنى عنه!!» فبهت المعري. والطفل الذي وفد على الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز مع كبار قومه، ووقف متحدثا، فزجره عمر، فأفحمه الطفل في الرد بقوله: «لو كان الأمر بالسن لكان في المسلمين من هو أحق منك بالخلافة، وإنما المرء بأصغريه (قلبه ولسانه)…الخ». وقصص أخرى كثيرة يمكن أن يؤلَّف فيها كتاب ..!!

ويقال: إن المتنبي قال الشعر صبيا في مثل هذه السن، وكان في عصر ازدهرت فيه اللغة، وكانت الفصحى تُتلقى من أفواه الأعراب كما هي، ولكن العجب في أن يكون شاعرنا «سعيد السوسي» في هذا العصر الذي قل فيه الاهتمام باللغة، وطغت العامية على كل شيء، وحتى الذين يتحدثون بالفصحى إنما يتحدثون ويكتبون بعامية مُفصَّحة -إن صح التعبير-، وأن يكون في بلد مُحارَب بالفرنسة!!

فكيف تأتى لهذا الصبي وهو في الثانية عشرة من عمره أن يكتب مثل هذه القصيدة .. إلا أن يكون واعدا بعبقرية فذة!! ونحن لا نشيد بالقصيدة من حيث هي بل بالنظر إلى سن كاتبها .. وإن كنت ما أزال أشم فيها بعض لمسات الكبار في التصحيح والتعديل؛ فموضوعها موضوع كبير على عقل الطفل، وألفاظها كذلك، وبعض معانيها؛ فكيف يتأتى لطفل في الثانية عشرة أن يأتي في شعره بمثل: «حكر، جائحات، أتوق، شافة جور» وغيرها .. ثم ما الذي أدخل في روع الطفل كل مشاكل العالم التي اصطبغت بها القصيدة:

طَغَتْ مُعْضِلَاتُ اقْتِصَادٍ وَحَكْرٍ وَغَبْنٍ وَفَقْرٍ فَدَانَتْ شُعُوبْ
وَعَاثَ فَسَادًا طُغَاةٌ طَغَامٌ وَقَادُوا الرِّقَابَ وَبَثُّوا الْكُرُوبْ
بِأَفْرِيقِيَا جَائِحَاتٌ وَجُوعٌ وَحَرْبٌ ضَرُوسٌ وَحِقْدٌ عَجِيبْ
عَلَيْهَا تُشَادُ الْمَاسِي الْجِسَامُ وَيُعْزَفُ لَحْنُ الرَّدَى وَالنَّحِيبْ

ثم ألا ترى أن مثل هذا البيت: (ويلعب أطفالنا الأبرياء ونحن نراقبهم من قريب). لا يأتي به سوى رجل كبير رُزق أطفالا يحس بمعنى أن يلعبوا ببراءتهم، ويراقبهم هو من قريب، هذه أحاسيس أبوّة.

لا أريد أن أُشرِّح القصيدة تشريحا .. ولكن لا يسعنا سوى الترحيب والتشجيع لهذه الموهبة الواعدة التي أبدعت لنا هذه القصيدة .. والمقطع الأخير من القصيدة متسق حقا؛ فلنستمتع بقراءته من جديد:

مَتَى سَيَهِلُّ عَلَيْنَا زَمَانٌ يُلَبِّي الْأَنَامُ نِدَاءَ الْحَبِيبْ
فَنَرْنُو لِدِينِ الْمَلِيكِ يَقُومُ بِكُلِّ الْبِقَاعِ يَجُوسُ الدُّرُوبْ
نَطُوفُ الْمُرُوجَ وَنَمْشِي الْهُوَيْنَى نَشُمُّ نَسِيمًا وَوَرْدًا وَطِيبْ
تُرَفْرِفُ طَيْرُ الْحُبُورِ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ بِرَبْعٍ عَشِيبْ
نُمَتِّعُ أَبْصَارَنَا بِالْجَمَالِ وَنَرْشُفُ مَاءً زُلَالًا سَكُوبْ
وَيَلْعَبُ أَطْفَالُنَا الْأَبْرِيَاءُ وَنَحْنُ نُرَاقِبُهُمْ مِنْ قَرِيبْ
وَتَرْسُو السَّعَادَةُ فِينَا جَمِيعًا وَنَنْسَى كَوَابِيسَ مَاضٍ رَهِيبْ
وَإِلَى الْأَمَامِ يَا سَعِيدُ السُّوسِيُّ.