الصورة: هلال في سماء الليل وفانوس — Montzr 1، ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 4.0) — صفحة الصورة
نُشرت هذه القراءة في مجلة «الجذور» الثقافية الأسترالية. ومجلة «الجذور» تصدر عن «مؤسسة الجذور الثقافية» في أستراليا، التي أسسها علي أبو سالم، وهو رئيس تحرير المجلة.
لليل عند العارفين أسرار وأي أسرار، ففيه يهفو قلب المحب وفيه يصفو وجدان العاشق، وفيه يخلو المرء بنفسه ويتجرد من أقنعته.. فتنبعث من داخله نبع يطهر ما ران على قلبه من درن، ليغتسل بدموع التوبة ما يزكي سريرته ويرفعه أعلى الدرجات.
وللمؤمن في الليل سبحات إلى عوالم الانكشاف، ينغمس فيها قلبه من السويداء إلى الشغاف، في معين المناجاة وينابيع الابتهال التي ليس لها ضفاف، فيحلو له أمام ربه الاعتراف، فتراه كالخائف المشفق على نفسه من الهلاك، وإذا به يرف في أجواء الإيمان بجناحي ملاك.
وأحلى ما تكون هذه الابتهالات في الهزيع الأخير من الليل وهي الثلث الأخير منه الذي أشار إليه الرسول (ص) «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له» رواه البخاري
وهل من تائب فاتوب عليه, هل من سائل فأعطيه.,,
لذ تجد المؤمن الحق يتحين هذه الفرصة تحين لصائد بالطريدة. ليكشف نفسه أمام ربه عساه يحظى بنفحة من نفحاته تجلو عنه الغواشي.
وكم من شعراء ناجوا ربهم مناجاة أبكت العيون حتى أدمتها بأبيات شفيفة المعاني.. ندية الكلمات… ولكنك قلما ترى في هذا العصر من الشعراء من ينحو هذا المنحى ولا سيما من بين شعراء التفعيلة الذين جروا وراء الرموز والإبهام فصارت معانيهم أبعد عن واقع الناس وواقعهم.. وإذا وجدت الجاد منهم لم تجده فارق المعاني السلبية، من تمرد وجودي أو ثورة على وضع سياسي، حتى الإسلاميين منهم لم يخرجوا عن الشعر السياسي.
لكن شاعرا واحدا لم تسبق لي به معرفة استطاع أن يهز الوجدان بقصيدة له سماها «ابتهالات في الهزيع الأخير»..فما أن قرأتها حتى وجدتني أترنم بكلماتها وأتملى معانيها فإذا بي في عالم جديد من شعر التفعيلة.. ذلكم الشاعر هو نبيل برباري من استراليا.
ولا أدعي أنني أستطيع أن أفي هذه القصيدة حقها حين أكتب عنها إنما أريد أن ألفت إليها الأنظار وتجد من الناس ما تستحق أو تبهرهم وتمتعهم بقدر ما منحتني من إمتاع وإبهار.
ولندخل إلى عالم هذه القصيدة التي هي حديث نفسي تعرت أمام باريها من كل قناع تلبسه أمام المخلوقين.. يريد صاحبها أن يتسامى ليخاطب ربه ولكنه يجد نفسه:
«مُتَعَثِّرًا.. فِي الْوَحْلِ يَرْفَعُ رِجْلَهُ فَيَغُوصُ فِي آمَالِهِ غَرَقَا وَيُحَاوِلُ الْأُخْرَى فَتَخْذُلُهُ فَمُعَذَّبٌ! قَلْبِي عَلَيْهِ! مُقَطَّعٌ مِزَقَا»
هذا العبد المؤمن الذي يهم بمناجاة ربه فيجد نفسه يتعثر في الأوحال فيحاول أن يخرج منه ما إن يخرج رجله حتى يغوص بنفسه غرقا..لكنه لا يستسلم بل يحاول ثانية لإخراج رجله الأخرى لكنها تخذله.. فيتعذب فيتقطع قلبه مرقا. لكنه أبدا لا ييأس!! هل قرأتم معي..
«فيغوص في آماله غرقا» وفهمتم معي لماذا لم يقل «فيغوص في آثامه غرقا» مع أنها أقرب إلى من يروم المعاني السطحية؟؟ إنه يبرز لنا مدى ارتباطه بالأمل حتى في أشد لحظات اليأس.. إنه يغوص في الوحل لكنه يغرق في الأمل بل الآمال!!
ثم تعالوا ننظر إلى تقطيعه للمقطع كم هي موفقة.. إنك تجد أن مكان الوقف وعلامة التعجب لديه معنى:
«فَمُعَذَّبٌ! قَلْبِي عَلَيْهِ! مُقَطَّعٌ مَرَقَا»
هذه حالة مع نفسه.. فما هي ياترى حالته مع ما حوله.. أنه يجد السماء تلبدت دليلا على الحزن ولكنه دليل على قرب المطر.. بل هو المطر يملأا الأهداب والحدقا.
«إن السماء به ملبدة فدموعها ملأت بها الأهداب والحدقا» أرأيتم كيف مزج نفسه بالسماء حتى جعل لها أهدابا وحدقا
«وَقَدِ اكْفَهَرَّ الْأُفْقُ مُعْتَكِرًا إِنَّ الْعُيُونَ النَّاهِضَاتِ تُشَابِكُ الْأُفُقَا»
موسيقى الكلمات هنا وإيقاعها يعبر عن معانيها.. فأنت في غنى عن التأويل والتفسير ) ومشابكة العيون الناهضات للأفق بأن للعيون شباكا تنصبها للأفق أو العكس وهو تعبير رائع عن علاقة أحدهما بالأخرأو هما في حالة اشتباك تخلقهما حالة الحيرة والحزن والتعثر. وفي المقطع الثالث لا يزال الشاعر في توصيف حالته النفسية مع إسقاطه هذه الحالة على ما حوله.. فهو يحس بالنفق المظلم يسلمه لصنوه.. فهو في حالة اختناق لا ينتهي.. وتتراءى له الجن وهي تعزف مصفرة والأشباح تراقص الطرق على هذا اللحن … وهنا يقابل الجن بالأنس التي نسيت باريها فهي تختال معرضة عن خالقها وهذا من بلادتها التي ملأت إحساسها حمقا
«نَفَقًا يُصَافِحُ صِنْوَهُ سَدَّ الظَّلَامُ بِمُجَنَّحِهِ النَّفَقَا وَالْجِنُّ عَازِفَةٌ مُصَفِّرَةٌ قَدْ رَاقَصَتْ أَشْبَاحُهَا الطُّرُقَا وَالْإِنْسُ تَخْتَالُ مُعْرِضَةً مَلَأَتْ بَلَادَتُهَا إِحْسَاسَهَا حُمُقَا..»
ثم يلتفت إلى أنيس الساهرين وجليس السامرين فيشعر بأنه الوحيد الذي يمكنه أن يوجه إليه الخطاب لأنه يراه متفاعلا معه حزينا.. فيستعرض ذكرياته معه منذ كان طفلا تؤرجحه رخص الخطى.. لم يعرف للفجر ولا للضحى والمساء والشفق معاني محددة بأنها يوم جديد وعمر يزيد.. بل أن كل ما كان يحس به هو براءة الفجر وابتسام الضحى.. لكنه مع هذا القمر الحزين معه أمضى العمر مختنقا.
«يَا أَيُّهَا الْقَمَرُ الْحَزِينُ مَعِي! فِي حَبْلِكَ السُّرِّىِّ, أُمْضِى الْعُمْرَ مُخْتَنِقَا طِفْلًا تُؤَرْجِحُنِي رَخْصُ الْخُطَى لَا قَبَّلَ الْفَجْرَ الْبَرِيءَ وَلَا.. زَارَ الضُّحَى مُبْتَسِمًا أَوْ صَافَحَ الْإِمْسَاءَ وَالشَّفَقَا!!»
ويبهرنا الشاعر دائما باستعاراته ومجازاته البليغة «طفلا تؤرجحني رخص الخطى» ووصف الفجر بالبراءة والضحى بالابتسام وصف يتناسب مع الطفولة يشعرك بأن الشاعر لم يعد إلى زمان الطفولة بذاكرته فحسب بل بذاكرته وبتعابيره أيضا!!
لكنه يتذكر فجأة أنه لم يقم هذه الليلة ليناجي القمر وإن كان له معه ذكريات منذ عهد الطفولة.. إنما قام ليناجي رب القمر ويبتهل إلى خالقه فيلتفت إليه ليخاطبه ولكن كيف؟ هل يقول له «ياربي» أم «ياإلهي» أم «اللهم» كلها واردة ولكنه يرى أنه أحقر من ان ينسب الرب إلى نفسه بياء المتكلم.. فيتذكر عباد الله المخلصين من الأنبياء والصالحين الذين وصلت بهم حالة الضر إلى منتهاها فيجد أمامه أيوب عليه السلام الذي اشتهر بصبره حتى قيل ( أصبر من أيوب ) فينادي ربه به..
«يَارَبَّ أَيُّوبَ الَّذِي قَدْ مَسَّهُ الضُّرُّ الرَّهِيبُ فَدَعَا يَارَبَّ مَنْ صَدَقَا»
إنه يأمل من ربه أنيستجيب له كما استجاب لأيوب إذ حالته كحالته بل إنه يفتقد الشراب والمغتسل الذي توفر لأيوب عليه السلام …
«أَيْنَ الشَّرَابُ؟! وَأَيْنَ مُغْتَسَلٌ؟!»
فهو..
«فِي الْوَحْلِ وَرْدَتِي لَا تَعْرِفُ الْعَبَقَا»
فيبتهل لخالقه أن يفك عنه عقال الروح:
«فُكَّ الْعِقَالَ, عِقَالَ رُوحِي إِنَّهَا فِي سِجْنِهَا تَغْتَالُ مُنْطَلَقَا»
ويتذكر يوسف عليه السلام إذ هوى في البئر, وإذ تكالب عليه السجن وامرأة العزيز معا.. والأخوة الأعداء والذئب الذي يعوي.. لكنه لم يخفه هذا كله لأنك يارب كنت معه..
«وَأَنَا يُوسُفُ الْمَفْتُونُ فِي وَجَعِي»
وما أحرانا أن نتذكر قصة يوسف الصديق ونحن في هذا العصر تهم بنا ألف فاتنة في اليوم فاتنة يوسف أعف منهن وأطهر إنهن يملأن كل الزوايا وكل الطرقات يعرضن أجسامهن فـ..
«مَنْ يَمْلَأُ الْأَيْدِي سَنَابِلَ عِفَّةٍ وَتُقًى إِذْ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ لَا يَزْنِي! وَأَخُوهُ مَا سَرَقَا»
وهكذا يستعرض الشاعر الأنبياء واحدا بعد آخر فهذا يونس مضى إلى ربه مغاضبا فيختار قرعته ويلتقمه الحوت فيتضرع إلى ربه سبحانك إني كنت من الظالمين فيستشعر أنه كيونس فيبتهل:
«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ إِنِّي مُذْنِبٌ إِقْبَلْ إِيَابِي, يُونُسُ الْمَضْرُورُ قَدْ أَبَقَا! وَاجْمَعْ عَلَيَّ حُشَاشَتِي يَقْطِينُ يُونُسَ فِيهِ قَدْ سَمَقَا»
وذاك موسى يأوي للطور ويصعده عاجلا وقلبه يخفق فهو على موعد مع ربه يمني نفسه برؤيا الحبيب لكنه يخر صعقا حين يتجلى له ربه ولكن ليس لشاعرنا طور يرتفع إليه أو يصعده وهو يرى أن غيره قد سبقه في الخيرات
«لِلطُّورِ مُرْتَفَعِي يَارَبِّ فِي الْأَزْمَانِ أَصْعَدُهُ وَسِوَايَ فِي الْخَيْرَاتِ قَدْ سَبَقَا»
ولا ينسى المسيح وأمه العذراء وأصحاب الكهف وهو خلال ذلك كله يدعو ربه متوسلا بهم ففي كل مقطع يبدؤه ” يارب مشفوعة أو مضافة إلى أحد أنبياء الله « يارب أيوب.. يارب يوسف.. يارب يونس.. يارب موسى.. يارب ياسوع المسيح وأمه.. يارب أصحاب الرقيم وكهفي.. يارب من ختم النبوة.. »
بشاعرية متدفقة تمزج بين الماضي والحاضر وتربط بين حاله وحال الانبياء
«أَنَا يُوسُفُ الْمَفْتُونُ فِي وَجَعِي» «يَقْطِينُ يُوسُفَ فِيَا قَدْ سَمَقَا» «لِلطُّورِ مُرْتَفَعِي يَارَبِّ فِي الْأَزْمَانِ أَصْعَدُهُ وَسِوَايَ فِي الْخَيْرَاتِ قَدْ سَبَقَا»
[ينقطع النص المتوفر هنا.]
