حوار الشاعر محمد الأمين محمد الهادي في برنامج «نجوم القوافي» · إذاعة الرابعة، فلسطين

شارك:

حوار مع الشاعر محمد الأمين محمد الهادي في برنامج «نجوم القوافي» على إذاعة الرابعة في فلسطين (٢٠٢١)، تقديم الإعلامي أشرف الحسيني، ومداخلة الناقد الأدبي الأستاذ محمد الدلّة (رحمه الله).

شاهد الحوار على يوتيوب — قناة «توقيعات عاشق»

نص الحوار

المحاور: الإعلامي أشرف الحسيني — برنامج «نجوم القوافي»، إذاعة الرابعة، فلسطين (٢٠٢١)
الناقد المعلّق: الناقد الأدبي الأستاذ محمد الدلّة (رحمه الله)
الضيف: الشاعر محمد الأمين محمد الهادي

تفريغ محرَّر للحلقة، حُذفت منه التكرارات وتحيات المتابعين وشارة البرنامج، ووُضعت نصوص القصائد كما كتبها الشاعر. جميع حقوق البرنامج محفوظة لإذاعة الرابعة.

تبدأ الحلقة بشارة برنامج «نجوم القوافي» ومقاطع من قصيدة البرنامج.

المحاور أسعد الله مساءكم أعزائي المستمعين وأعزائي المتابعين، وأنتم تستمعون لبرنامج «نجوم القوافي» عبر أثير إذاعة الرابعة من فلسطين. تحياتي لزميلي في الهندسة الإذاعية عمر القواسمي، ولكم التحية مني في الإعداد والتقديم، أشرف الحسيني.

المحاور ضيفنا في هذه الحلقة الشاعر الصومالي والإعلامي السياسي محمد الأمين محمد الهادي، الموجود حاليًّا في طشقند في أوزبكستان. عمل في وزارة الإعلام الصومالية مذيعًا ومقدّمًا للنشرات العربية في إذاعة مقديشو وقناة التلفزيون الرسمية، وكان من أبرز مذيعي النشرات الإخبارية، وهو ناشر ومحرّر الشؤون الأدبية والثقافية في صحيفة «نجمة أكتوبر» منذ ريعان شبابه. حاصل على الماجستير في العلوم السياسية، وكان من مؤسّسي «تحالف إعادة تحرير الصومال»، وعضوًا في البرلمان الانتقالي حتى عام ٢٠١٣. لم يشجّعه والده على كتابة الشعر وتعلّم العروض، لكنه مثّل الصومال في المهرجانات الشعرية العالمية، ولُقّب بـ«نزار الصومال».

المحاور من طشقند، الشاعر محمد الأمين، مساء الخير.

الشاعر مساء النور أخي أشرف.

المحاور الله يسعد مساك، أهلًا وسهلًا بك في برنامج «نجوم القوافي» عبر أثير إذاعة الرابعة من الخليل في فلسطين. شرّفتنا ونوّرتنا، وأنا سعيد جدًّا بلقاء هذه القامة الأدبية.

الشاعر بارك الله فيك، نحن أقلّ من ذلك بكثير، أنت البركة.

المحاور كيف الحال؟ طمّنّا عن الأحوال والصحة.

الشاعر كل شيء تمام والحمد لله، كل شيء على ما يرام، الحمد لله رب العالمين.

البدايات

المحاور أستاذي الكريم، بدايتك مع الشعر كانت صعبة نوعًا ما، خاصة أنك لم تتلقَّ التشجيع من الأجواء المحيطة بك، من قلّة التعليم ومنعك من التعليم في الصومال، وأيضًا والدك لم يشجّعك على ذلك. كيف كانت بدايتك باختصار؟

الشاعر بسم الله الرحمن الرحيم. أولًا أشكر برنامج «نجوم القوافي» على استضافتي، وأشكرك شخصيًّا على هذه الاستضافة الجميلة والإطلالة الرائعة. أنا وُلدتُ في مدينة براوة، وهي زاخرة بالعلماء، والثقافة العربية كانت هي الرائجة فيها، ثم كانت دراستي في العاصمة مقديشو. والدي كان شاعرًا وأديبًا وعالمًا وفقيهًا في الدين، وكان إمامًا وخطيبًا لمسجد من أكبر المساجد في مقديشو اسمه مسجد مرواس. فأنا تشرّبتُ الثقافة العربية من خلال الوالد؛ هو الذي علّمني قبل ذهابي إلى المدرسة علوم العربية: النحو والصرف والفقه. وعندما أخذني إلى المدرسة كانت المدرسة في ذلك الوقت تعلّم باللغة الصومالية والحروف اللاتينية.

المحاور أستاذي، قلتَ في السيرة الذاتية إن والدك لم يشجّعك على كتابة الشعر.

الشاعر نعم، هو لم يشجّعني على كتابة الشعر؛ لأنه كان يكتب الشعر الصوفي، الشعر الديني، وكان يخاف عليّ، كشابّ في تلك المرحلة، إذا كتبتُ الشعر أن أكتب شعرًا غزليًّا أو خارجًا عن إطار…

المحاور يخاف عليك من شيطان الشعر.

الشاعر بالضبط، كان يخاف عليّ من شيطان الشعر. كان يقول لي: لم تُدرك بعد. كان يمنعني مثلًا من قراءة «ألف ليلة وليلة» ومن قراءة الروايات. بدأتُ كتابة الشعر وعمري اثنتا عشرة سنة تقريبًا، وعندما عرضتُ عليه أول قصيدة قال لي: لا. كان هو يكتب، وكنتُ أراه يقطّع الأبيات بالتفعيل الخليلي، يكتب الحركة والسكون، فسألته: ما هذا؟ قال: تقطيع البيت. فقلت: هل تعلّمني إياه كما علّمتني النحو والصرف؟ علّمني العروض والقافية. قال: لا، لا أريدك أن تكون شاعرًا؛ لأنك إذا تعلّمتَ ستكون شاعرًا جيدًا، ولن تتركه بعد ذلك. ثم كنتُ عندما أسمع الشعر أحفظه على الفور، فتكوّنت الذائقة سليقةً، وصرتُ أعرف القصيدة السليمة. وكان يقول: هذه مَزَلّة، يمكن أن تزلّ فيها، فاحفظ نفسك ولا تتورّط كثيرًا.

المحاور نعم نعم، جميل.

الشاعر فصرتُ بعد ذلك كلما كتبتُ في شيء يعجبه، مثلًا في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في بعض العلماء أو الشعر الديني، أعرضه عليه، لكن الشعر الغزلي…

المحاور كنتَ تخفيه عنه.

الشاعر كما كنتُ أخفي أيضًا الروايات تحت المخدّة وتحت السرير، وكنت أخفي كتاب «ألف ليلة وليلة»؛ لأنه قال لي إن «ألف ليلة وليلة» ضيّع عليه رمضان كاملًا في الصِّبا، فلذلك لا يريدنا أن نقرأه.

المحاور شاعرنا، ليتك تصف لنا مقوّماتك في اللغة العربية في البداية، كيف كانت، وخاصة أنك تأخّرت في التعليم بالصومال.

الشاعر أنا تأخّرت مدة معيّنة. دخلتُ الابتدائية باللغة الصومالية، ثم الوالد لم يكن يحب الذهاب إلى المدرسة كلما طُلب، ولم يستخرج لي شهادة الميلاد، فكانوا يطلبونه دائمًا، فقال لي: اجلس في البيت. أجلسني في البيت، ليس بمعنى أنه لم يعلّمني؛ هو لم يكن يعتبر التعليم المدرسي تعليمًا حقيقيًّا، فلذلك أجلسني في البيت…

المحاور وعلّمك على طريقته.

الشاعر كان يعلّمني بطريقته، يعلّمني ما يريدني أن أتعلّمه: علوم اللغة العربية والدين والتفسير والحديث وهذه الأمور. ثم أرجعني بعد ذلك، عندما وصلتُ إلى المرحلة المتوسطة، فأدخلني مدرسة دينية تابعة للأزهر الشريف اسمها «معهد الشيخ صوفي الديني». هنا كان التعليم مرتبطًا بالأزهر، وهو كان يحب هذا التعليم، ولكنه لم يكن يحب تعليم المدارس الذي يُدرَّس باللغة الصومالية؛ لذلك انقطعتُ عن الانتظام في المدرسة لمدة أعوام.

المحاور المدرسة الحكومية يعني؟

الشاعر نعم، المدرسة الحكومية، إلا السنة الأولى الابتدائية، وهذه السنة أيضًا لم يكن الوالد هو الذي أدخلني فيها، إنما كانت والدتي هي المهتمّة بهذا الأمر؛ كان خالي جارًا لنا يأخذ أولاده إلى المدرسة، فألحقني بأولاده.

«الرحيل إلى المتاهة»

المحاور جميل. شاعرنا، نستمع الآن إلى النص الأول «الرحيل إلى المتاهة»، وبعدها إن شاء الله سيكون معنا الناقد الأدبي الأستاذ محمد الدلّة. تفضّل أستاذ محمد الأمين.

الشاعر بسم الله الرحمن الرحيم. هذه القصيدة «الرحيل إلى المتاهة»، أقول في مقدّمتها: اضطررنا إلى الخروج من الوطن العزيز (الصومال) بعد الأحداث المأساوية التي مُنيت بها البلاد، ومن مدينة براوة خرجنا نتسابق على رمال الشواطئ إلى سفينة خشبية صغيرة للشحن، نترامى على سطحها رجالًا ونساءً وأطفالًا وشيوخًا.. عوائل بأكملها لا نعرف إلى أين نتّجه، وندفع إلى العصابات والميليشيات التي دمّرت البلاد ثمن الخروج ١٥٠ دولارًا عن كل فرد. في تلك السفينة، على عُباب البحر في المحيط الهندي، كانت هذه القصيدة البكائية الحزينة:

يَا لَلرَّحِيلِ إِلَى الْمَتَاهَةِ وَالضَّنَىيَا لَانْدِثَارِ الْحُلْمِ فِي شَبَحِ الْعَنَا
يَتَشَبَّثُ الْقَلْبُ الْمُحِبُّ بِأرْضِهِوَيَكَادُ يَلْثُمُ تُرْبَهَا مُتَيَمِّنًا
وَالْجُرْحُ يَنْزَفُ فِي فُؤَادِي مُعْلِنًاقَسَمًا بِأَنَّ هَوَاهُ دَوْمًا هَاهُنَا
دَارَتْ كُؤُوسٌ بِالْمُنَى فَتَحَطَّمَتْوَغَدَتْ شَظَايَاهَا تُهَدِّدُ بِالفَنَا
يَا رِحْلَةً تَعْصِي خُطَايَ مَسِيرَهَاوَتَغُذُّ خَوْفًا حِينَ يُدْرِكُهَا الْوَنَى
ظَمِئَتْ حُلُوقُ السَّائِرِينَ وَدَرْبُهُمْفِي لُجَّةٍ وَالْمَوْجُ يَرْغُو مُوهَنًا
فَكَأَنَّمَا أَعْيَاهُ حَمْلُ عَوَائِلٍهَجَرَتْ وَلَمْ تَعْرِفْ إِلَى أَيِّ الدُّنَى
تَشْكُو عُيُونِي التِّيهَ فِي الْبَحْرِ الْمُحِيــطِ وَأَمْخُرُ التِّيهَ الَّذِي حَاطَ الْمُنَى
غَنَّتْ بِعَزْفِ الْمَوْتِ أَنْيَابُ الْأُسَىوَسَفِينُنَا سَارَتْ عَلَى رَجْعِ الْغِنَا
وَطَنِي أَقِلَّ اللَّوْمَ عَنِّي إِنَّنِيلَمْ أَتَّخِذْ فِي الْكَوْنِ غَيْرَكَ مَوْطِنًا
لَكِنَّمَا مَنْ ضُيِّقَتْ فِي الْأرْضِ سُبْــلُ خَلَاصِهِ.. لَا بُدَّ يَبْحَثُ مَأْمَنًا
إِنْ شِئْتَ سَلْ تِلْكَ الدِّيَارَ فَكُلُّهَاكُنَّا اتَّخَذْنَاهَا هُنَالِكَ مَسْكَنًا
سَلْ تُرْبَهَا، أَحْجَارَهَا، أَطْلَالَهَامَنْ ذَا الَّذِي قَدْ كَانَ سَبَّبَ هَجْرَنَا
وَسَلِ الْحُقُولَ، غِلَالَهَا وَثِمَارَهَاوَسَلِ الْخُطَى بَعْدَ الْخُطَى فِي دَرْبِنَا
وَسَلِ الزُّهورَ سَلِ الطُّيُورَ سَلِ الرُّبَىوَسَلِ الْبَسَاتِينَ الَّتِي تَهْفُو لَنَا
وَسَلِ الْبِحَارَ وَمَوْجَهَا وَعُبَابَهَاوَسَلِ الشَّوَاطِئَ وَالرِّمَالَ وَخَطْوَنَا
سَلْ كُلَّ شِئٍ فِي بِلَادِي يَا لَهُبَلَدٌ طَهُورٌ قَدْ بَدَا مُتَعَفِّنَا
هَاجَرْتُ مَهْدِي بَعْدَ مَا عَاثَتْ بِهِأَيْدِي الْخَنَا فَهَوَى بِجُرْحٍ مُثْخَنًا
يَا رِحْلَةَ الْأشْبَاحِ دَرْبُكَ مُفْجِعٌمَوْجٌ عَلَا وَالْحُوتُ مِنَّا قَدْ دَنَا
كَابُوسُ لَيْلٍ كَادَ يَقْطَعُ مُهْجَتُيمِزَعًا وَعِفْرِيتٌ هُنَالِكَ دَنْدَنَا
يَا أَيُّهَا الدُّلْفينُ تَقْفِزُ مُبْهِجًاخُذْنِي إِلَى وَطَنِي وَلَا تَشْكُ الْوَنَى
لَمْ يَنْبَلِجْ صُبْحٌ بِأُفْقٍ مُعْتِمٍإِلَّا وَيَهْفُو نَحوَهُ طَرْفٌ رَنَا
فَمَتَى سَيَصْدُقُ عِنْدَنَا لِيُظِلَّنَاأَمَلُ الْعُيُونِ الشَّاخِصَاتِ إِلَى السَّنَا
طُهْرِي وَطُهْرُ مَرَابِعِي لَمْ تَخْتَلِطْيَوْمًا بِأرْجَاسِ الْفَوَاحِشِ وَالخَنَا
يَشْتَاقُنَا الْوَطَنُ الَّذِي يَغْتَالُنَاوَيُحِبُّنَا الْوَطَنُ الَّذِي يَقْتَاتُنَا
لَكِنَّمَا شُذَّاذُ آفَاقِ الْوَرَىمِنْ وَكْرِهِمْ بَعِثُوا فَعَابُوا أهْلَنَا
نَهَبُوا عَيَانًا مَالَنَا بَلْ رَوَّعُواوَاسْتَأْسَدُوا ثُمَّ اسْتَبَاحُوا عِرْضَنَا
لَمْ يَأْبَهُوا لِلدِّينِ لِلْأخْلَاقِ إِذْقَدْ لَوَّثُونَا بَلْ تَسَمَّوْا بِاسْمِنَا
سَأُعِيدُ رَسْمَ مَلَامِحِ الْمُدُنِ الَّتِيقَدْ غَالَهَا غُولُ الْمَجَازِرِ وَالخَنَا
وَمَلَامِحِ الطُّرُقِ الَّتِي عَجَّتْ بِهِجثثٌ تَعَفَّنَ ريحُهَا بَلْ أَنْتَنَا
وَمَلَامِحِ النَّهْرِ الَّذِي سَالَتْ بِهِبَدَلَ الْمِيَاهِ الْجَارِيَاتِ دِمَاؤُنَا
وَمَلَاَمِحِ الْجُدْرَانِ إِذْ أَمْسَتْ مُهَــدَّمَةً وَتَحْتَ صُخُورِهَا صَمْتُ الدُّنَى
وَمَلَامِحِ الْبَيْتِ الْكَئِيبِ فِنَاؤُهُوَبَلَاطَهُ وَجِدَارَهُ يَشْكُو الْعَنَا
وَمَلَامِحِ الْحَقْلِ الْهَشِيمِ وَبَيْدَرٍوَحَدَائِقِ الْوَجَعِ الْمُشَتِّتِ شَمْلَنَا
وَمَلَامِحِ الْإِيثَارِ فِي أبْنَائِهَاحَتَّى أَرَى أَنَّ الْإِخَاءَ يَعُمُّنَا
وَأُعِيدُ رَصَّ صُفُوفِنَا وَشَتَاتِنَالِيَعُودَ مَوْطِنُنَا الوَرِيفُ يُظِلُّنَا
وَطَنِي أَطُوفُ عَلَى الْمَدَائِنِ كُلِّهَارَكْضًا وَأَحْمِلُ وَجْهَهُ الْمُتَغَضِّنَا
وَأُسَائِلُ الْغَادِينَ كَالْْمَجْنُونِ عِشْقًاهَلْ رَأَيْتُم مُسْتَحِيلًا مُمْكِنًا
أَوَ تَعْرِفُونَ الطَّفْلَ شَابَ بِسُرْعَةٍقَبْلَ الْمَشِيبِ وَصَارَ شَيْخَا مُوهَنَا
أَوَ تَعْرِفُونَ الشَّمْسَ تَغْرُبُ فَجْأَةًفَوْرَ الشُّرُوقِ وَلَمْ تُشَاهِدْهَا الدُّنَى
أَوَ تَشْهَدُونَ الْأَجْرَبَ الْمَسْلُولَ مَنْقَدْ يَنْبَرِي عُرْيَا بِسَاحَةِ طُهْرِنَا
أَرَأَيْتُم الْجِيَفَ الَّتِي حُمِلَتْ إِلَىشَرِّ الْمَقَابِرِ قِيلَ هُمْ مَنْ أهْلِنَا
أَوَ تَشْهَدُونَ بَنَادِقًا بِسَوَاعِدٍضَلَّتْ طَرِيقًا فَاسْتَوَتْ بِضُلُوعِنَا
أَرَأَيْتُم ذَاكَ الْحَبيبَ مُقَتِّلًاعُشَّاقَهُ وَيَعُبُّ كَأْسَ دِمَائِنَا
هَذِي الْمِرَائِي وَالْمَنَاظِرُ كُلُّهَابِقَبِيحِهَا وَجَمِيلِهَا وَطَنِي أَنَا
سَتَقُولُ ذَلِكَ مُوطِنٌ مُتَعَفِّنٌوَأَنَا أُحِبُّ الْمَوْطِنَ الْمُتَعَفِّنَا
فَأَنَا الْعَشِيقُ وَذَا هَوَايَ وَمَوْطِنِيقَتَلَ الْحَبيبُ حَبِيبَهُ مُتَفَنِّنًا

المحاور يا سلام عليك! الله يعطيك العافية، ما شاء الله عليك. شاعرنا، يقول أحد المتابعين: «من أجمل ما سمعتُ قديمًا وحديثًا، كل بيت أجمل من الذي قبله، وكأنّ القلب هو الذي يتكلّم لا اللسان». ويقول متابع من الأردن: «تصوير رائع للمجازر التي حصلت في البلاد، ونتوق لاستعادة حياة السلام في الصومال إن شاء الله».

الشاعر إن شاء الله يا رب. تحياتي لجميع من علّقوا.

المحاور شاعرنا، قصيدة فريدة ورائعة، لكنك جعلتَ فيها القتلى جِيَفًا.

الشاعر القتلى هنا ليسوا ضحايا؛ إنهم جِيَف لأنهم من الميليشيات التي تقتل الناس وتدمّر البلاد، فهم جِيَف حقيقةً؛ لذلك «حُملت إلى شرّ المقابر». دُفنوا جماعات، وبعضهم لم يُدفن وتُرك للسباع.

المحاور كنتَ في هذه القصيدة كأنك تعبّر عن مأساة الشعب الفلسطيني. كيف ترى هذا التشابه بين الحالتين الصومالية والفلسطينية؟

الشاعر حقيقةً لم نُشبه الفلسطينيين إلا سنتين تقريبًا، من يناير ٢٠٠٧ إلى يناير ٢٠٠٩، حين احتلّت القوات الإثيوبية مقديشو، أو الصومال كلها؛ هناك أشبهنا فلسطين كثيرًا. لكن هذه القصيدة كُتبت في بداية الأزمة، في ١٩٩١، بعد بداية الحرب الأهلية بثلاثة أشهر. لم تكن هناك قوة خارجية دخلت الصومال، بل كان الصوماليون يتقاتلون فيما بينهم؛ الميليشيات هي التي قتلت بني جلدتها. فهذه لا تشبه فلسطين بالمرّة.

مداخلة الناقد الأدبي محمد الدلّة

المحاور شاعرنا، ينضم إلينا الآن الناقد الأدبي الأستاذ محمد الدلّة ليتحدّث عن هذا النص بالتحديد. مساء الخير أستاذ محمد، أهلًا وسهلًا بالناقد والشاعر أيضًا.

الناقد أهلًا وسهلًا بك وبشاعرك الكريم وبالضيوف، وبكل من انحاز إلى الجمال وإلى مستقبل واعد وجميل لهذه الأمة إن شاء الله.

المحاور أستاذي، ماذا تقول في هذا النص تحديدًا؟

الناقد أولًا يا صديقي، يُسجَّل للشاعر تحليقه العالي في مجال الشعر واللغة العربية؛ فنحن أمام قصيدة مكتملة، وننقد شعرًا كاملًا يقال فيه ما يقال في الشعر، بعيدًا عن إشكالات النقص والعيوب. نحن نناقش نصًّا يتعرّض لقضية الحرب الأهلية والهجرة من الوطن، وهذا النص الذي اتخذ شكل القصيدة العمودية جاء نصًّا موازيًا للمعاناة، يعبّر عنها بكل تفاصيلها. عبّر الشاعر من خلاله عن حالته مع وطنه ومع أهله، وعن نقطة معاناة دقيقة: هذا الوطن المُباح، الذي هو لي، والذي يجب أن يمتلك كل إمكانات الأمان، وأن يتيح لي كل فضاءات الحياة الجميلة، لماذا يشكّل هاجسًا وجلّادًا يقتلني ويملأ بلادي ونفسي بالجراح؟

الناقد والقصيدة تشير إلى كل أنواع الإرباكات التي اعترت الشاعر، من خلال بناء واضح المعالم؛ فهو إذ لم يستطع أن يمتلك الحلّ لما يعانيه بلده من الاقتتال، لجأ من بداية القصيدة إلى أساليب النداء، كأنه يناجي الخالق أو يناجي الكون العلوي ليجد حلًّا لهذه المعضلة، ويُخرج الصومال من أتون احتراقه. وكان مبدعًا في استخدامه أدوات النداء التي جعلتنا نستشعر كل تفاصيل الحزن والألم.

الناقد والقضية الثانية أننا نلمح في الأبيات نفَسًا موضوعيًّا؛ فالقصيدة مكتملة، موضوعية، ذات موضوع واحد، أتقن الشاعر التعبير عنه بكل أشكال الخصب الجمالي، مع وجود كثير من الكلمات المزعجة في تصوير الجثث المنتنة، لكنه كان يصف بها القوى التي تتصارع وتريد أن تمزّق الوطن. القصيدة جاءت ممزّقة… كيف جاءت ممزّقة؟ جاءت ممزّقة في تعبيراتها لتعبّر عن حالة التمزّق. وحين أقول إن القصيدة جاءت ممزّقة لا أصفها بالسلب، إنما أصفها بالإيجاب؛ فالقصيدة كانت تنزف من كل كلمة من كلماتها، نزفت حتى آخر لحظة. وعبّر الشاعر عن حالة العشق للوطن حين يكون الوطن هو السيف الذي يطعنك، السيف الذي لا خلاص منه إلا باللجوء إليه، السيف الذي تهرب منه وتحمله معك، فيقطّعك في المنافي وفي البحار وفي كل أنواع الغربة.

الناقد الحقيقة أني أبارك لهذا الشاعر هذا النص الجميل، ولنتذكّر أن هذا النص كُتب عام ١٩٩١، أي قبل ثلاثين عامًا؛ فشاعر يمتلك هذه القدرة قبل ثلاثين عامًا لا شكّ أنه شاعر يشكّل الحروف صلصالًا. وعليكم أن تعذروني لأني في مهرجان شعري، ولذا لم أستطع أن أتتبّع الصور الجميلة التي قالها الشاعر، لأني أتحدّث غيبًا، ولكن هذا الغيب هو غيب الكاشف؛ فلقد قدّم لي الشاعر نبوءة جرح، وهذه النبوءة جعلتني أدخل القصيدة بعنفوانها. لا أريد أن أتحدّث عن أن هناك خللًا في كذا وفي كذا؛ لأن هذا شعر حقيقي، يمكن مناقشته موضوعًا ثقافيًّا، لا موضوعًا للصواب والخطأ أو القضايا التي تتعلّق بالوزن والنحو. لقد نوّع الشاعر في أساليب البلاغة العربية، فقدّم لوحة فسيفسائية مليئة بأساليب التعبير العربي من خبر وإنشاء ونداء وأفعال أمر. أشكره، وأتمنى أن يتطلّع كل الشعراء إلى هذه القصيدة نموذجًا للشعر الجميل الذي يجب أن يُحتذى.

المحاور تعوّدنا عليك أن تكون قاسيًا نوعًا ما في النقد، لكنك تتحدّث أمام قامة أدبية جميلة. أنا سعيد جدًّا بهذه المداخلة أستاذ محمد.

الناقد اسمح لي أن أدافع عن نفسي قليلًا: أنا لستُ قاسيًا؛ أنا أعشق الشاعر الجميل أينما وُجد، وهذا الشاعر قدّم لي قصيدة تملؤني، تجعلني أحلم، تجعلني أتمنى أن يسير كل الشعراء إلى هذا المستوى، فلماذا لا أحلّق معه؟ أشكره بكامل قلبي وبكامل عروبتي وبكامل حروفي، وشكرًا لك على استضافة مثل هذا الشاعر، وأتمنى أن يكون كل من نستضيفهم في المرات القادمة سائرين على هذا الدرب.

المحاور أكيد إن شاء الله. شكرًا للناقد الأدبي الأستاذ محمد الدلّة على هذه الشهادة، وشكرًا للأستاذ محمد الأمين. فاصل قصير، ونعود لنستمع إلى النص الثاني.

المسيرة الإعلامية

المحاور أعزائي المستمعين، أهلًا بكم مجددًا في القسم الثاني من برنامج «نجوم القوافي». نرحّب مرة أخرى بضيفنا الشاعر والإعلامي السياسي الأستاذ محمد الأمين محمد الهادي، المتواجد الآن في أوزبكستان. أستاذي، هل من تعليق على مداخلة الناقد الأدبي الأستاذ محمد الدلّة؟

الشاعر والله لا أستطيع أن أقول على ما قاله شيئًا؛ هو حلّق كثيرًا ومدح كثيرًا وأطرى القصيدة، ولا أدري أكانت القصيدة تستحق ذلك أم لا، لأني لستُ ناقدًا، لكنني عبّرتُ عمّا أحسستُ به وقت الحدث. والقصيدة، بغضّ النظر عن جمالياتها ومدى روعتها في التعبير، لها رسالتها؛ كلما أنشدتُ هذه القصيدة كنتُ أبكي، لسنين، كلما أنشدتُها؛ لأنها كانت تلمس جراح قلبي.

المحاور للأسف. شاعرنا، أخبرنا عن مسيرتك الإعلامية باختصار؛ جميل أن نتعرّف أيضًا على إخواننا الشعراء والإعلاميين. وكيف أثّر الإعلام في شعر محمد الأمين؟

الشاعر جزاك الله كل خير. لا أعتقد أن الإعلام، ولا السياسة، ولا أيّ عمل اشتغلتُ به، أثّر في قصيدتي أو في شعري؛ لأني كنتُ دائمًا أفرّق بين ذاتي وموضوع العمل، كنتُ أعبّر عن ذاتي أكثر مما أعبّر عن العمل أو محيطه. دخلتُ الإعلام أولًا عن طريق تزكية، ثم امتحان. التزكية لم تنجح لأنني لم أزكِّ نفسي: في فترة من الفترات كنتُ في مخيّم طلابي، وكان من نصيبي أن أتقدّم أمام الرئيس سياد بري وألقي خطبة باللغة العربية، فطلب من مساعده الخاص أن يأخذني إلى وزارة الإعلام لأكون مذيعًا باللغة العربية، فقصّر ولم يفعل. لكن بعد عام أُعلن في الإذاعة أنهم في حاجة إلى مذيعين باللغة العربية، وأنا كنتُ طالبًا في ذلك الوقت، فتقدّمتُ أمام لجنة جاءت من مصر، من اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري، كانت تمتحن المتقدّمين. تقدّمتُ ومعي ١٥٠ شخصًا، كلهم من حملة الماجستير والبكالوريوس، وأنا طالب في السنة الأولى الثانوية. في الفرز الأول كانت فيه ترجمة من اللغة الإنجليزية لم أكن أتقنها كثيرًا في ذلك الوقت، فأصبحتُ الخامس من بين الثلاثين الذين نجحوا من المئة والخمسين. ثم كان هناك اختبار إلقاء إذاعي، تحريري أولًا ثم شفوي وإلقاء الخبر، فاختاروا خمسة، وكنتُ الأول.

المحاور ما شاء الله، حتى أصبحتَ نائبًا لمدير الفضائية، صحيح؟

الشاعر لا، لستُ نائبًا لمدير الفضائية؛ أصبحتُ نائبًا لرئيس القسم العربي في الإذاعة. وطبعًا بدأتُ بالإذاعة، ثم دخلتُ الصحافة أيضًا، كنتُ أكتب مقالين كل أسبوع، ثم دخلتُ القناة التلفزيونية الرسمية، وكنتُ مذيعًا للأخبار العربية.

«فديتك»

المحاور جميل جميل، أتمنى لك التوفيق دائمًا أستاذي. نستمع الآن للنص الثاني «فديتك»، تفضّل.

الشاعر جزاك الله خيرًا. بسم الله الرحمن الرحيم. هذه القصيدة موجودة في ديواني المنشور حديثًا «أنتِ أبهى»، وسنتحدّث عنها إن شاء الله باختصار.

فَدَيْتُكِ، مَا أَشْهَى حَدِيثَكِ مُؤْنِسَاصَبُوحَ صَبَاحِي أَوْ غَبُوقِيَ فِي الْمَسَا
عَلَىٰ الْوَتَرِ الْحَسَّاسِ تَعْزِفُ عُودَهَافَتَسْرِي حُمَيَّاهَا لِتَذْهَبَ بِالْأَسَىٰ
كَأَنَّ عَصَافِيرَ الصَّبَاحَاتِ غَرَّدَتْحَديثَ هَوَى قَلْبٍ، فَلَيَّنَ مَا قَسَا
تَسَرَّبَ فِي الْأَعْضَاءِ، كُلُّ خَلِيَّةٍسَرَى فِي ثَنَايَاهَا، فَأَنْسَى وَآنَسَا
تَشَرّبَتِ الْأَوْصَالُ صَهْبَاءَ هَمْسِهَافَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تَشُمَّ وَتَلْمَسَا
حَدِيثُكِ يَا ذَاتَ الْمَحَاسِنِ خَمْرَةٌإِذَا مَا سَرَتْ سَرَّتْ لِتُطْرِبَ أَنْفُسَا
وَوَشْوَشَةٌ يَنْسَابُ فِي الْأُذْنِ رَاحُهَالَتَكْفِي بِأَنْ تُشْجِيكَ أَوْ أَنْ تُوَسْوِسَا
وَأَغْمَضْتُ جَفْنِي أسْتَلِذُّكِ مُجْتَنَىٰوَأَحْسَبُ قَلْبِي فِي نَعِيمِكِ قَدْ رَسَا
وَغُصْنُكِ مُلْتَفًّا بِغُصْنِي حَسِبْتُهُوَفِي سَاحِ مَغْنَاكِ افْتَرَشْتُكِ سُنْدُسَا
فَصَدْرُكِ فِي صَدْرِي ضُلُوعٌ تَأَوَّهَتْوَكَفَّايَ فِي خَصْرٍ مِنَ الْخَزِّ أَمْلَسَا
تَرَشَّفْتُ رِيقًا كَالْمُدَامَةِ مِنْ لَمًىإِذَا مَا رَشَفْنَاهُ تَمَصَّصَ وَاحْتَسَىٰ
لَقَدْ كَانَ هَذَا مِنْ حَدِيثٍ بَثَثْتِهِوَإِنْ كَانَ ذَا حُلْمًا فَيَكْفِي تَوَنُّسَا!

المحاور ما شاء الله عليك! القصيدة جميلة جدًّا، والإلقاء والإحساس الذي تُلقي به، ما شاء الله عليك أستاذ محمد. «فتسري حُمَيّاها»: هل تقصد حُمّى العشق؟ وكيف تُذهب الحُمّى الأسى؟

الشاعر لا، لا أقصد حُمّى العشق. الحُمَيّا بالعربية معناها الخمرة؛ الخمرة تُسمّى الحُمَيّا. «تسري حُمَيّاها»: تسري الخمرة لتذهب بالأسى. تعدّدت الأسماء: خمرُ حديثها يسري في النفس فيذهب بالأسى.

المحاور نعم، وصلت المعلومة أستاذ محمد. وجميل أن نستفسر أيضًا: تعدّدت الأسماء للمسمّى نفسه، هل من دلالة لذلك؟ عندما قلتَ: الراح وشوشتها، والصهباء همسها، والخمر حديثها.

الشاعر نعم، الشاعر يعدّد في وصف الشيء نفسه بمعانٍ متعدّدة ليُشرِبه هذا الإحساس؛ يريد أن يوصل إلى المتلقّي إحساسه من خلال الكلمات والحروف، لكنه مهما فعل لا يستطيع أن يوصله كاملًا، فيحاول أن يضفي صفات على المسمّى نفسه، الذي هو الحديث؛ يضفي عليه كثيرًا من صوت الحبيبة وحديثها: مرة يكون همسًا، ومرة وشوشة، ومرة حديثًا، ومرة يسمّيه الخمرة، ومرة الصهباء، ومرة الحُمَيّا. وهذه كلها معانٍ متقاربة، لكنها جاءت في القصيدة في أبيات مختلفة لتؤدّي معاني مختلفة.

المحاور نعم، كل مسمّى يؤدّي معنى آخر.

شعراؤه المفضّلون

المحاور شاعرنا، من هو شاعرك المفضّل الآن تحديدًا؟ من تتابع، ومن تستمتع بقصائده؟

الشاعر حقيقةً أستمع لكل الشعراء، لا أقول شاعرًا معيّنًا؛ الشعراء الموجودون من الحداثيين ومن التقليديين، كلهم أستمع إليهم. ربما كنتُ في فترة من الفترات متأثّرًا، أو لا أدري إن كنتُ متأثّرًا، لكنني كنتُ أحب الشاعر محمد مهدي الجواهري، وبعده الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، العراقي الجميل. لكن فيما بعد لم ألتزم شاعرًا واحدًا، إنما أستمع لكل الشعراء. ومن الشعراء الشباب الذين أحبّهم كثيرًا الشاعر محمد عبد الباري السوداني، والشاعر جبر البعداني اليمني، وآخرون.

الشعر والسياسة

المحاور ما شاء الله. سياسيًّا، لك الكثير من المواقف الصلبة في مواجهة التدخّل الإثيوبي في الصومال. قلتَ إن السياسة والصحافة لم تؤثّرا في شعر محمد الأمين، لكن انخراطك في السياسة جعل هناك بالتأكيد مواضيع تكتب عنها. كيف؟

الشاعر نعم طبعًا، أحيانًا هناك أحداث سياسية تتطلّب منّا مواقف صارمة لا تقبل التمييع. قضية فلسطين مثلًا لا يمكن أن يقبل فيها الشاعر تمييعًا، لذلك لا بد أن يكون هناك موقف صارم، موقف صلب. كذلك التدخّل الإثيوبي في الصومال لم يكن شيئًا عاديًّا؛ ليس هناك فرقاء من الوطن نفسه يتقاتلون، أنت هنا أمام محتلّ، لا بد أن تقف موقفًا صلبًا.

المحاور لذلك انخرطتَ في تأسيس «تحالف إعادة تحرير الصومال».

الشاعر وأصبحتُ نائب مسؤول الإعلام، وفي هذه الفترة كتبتُ. وفي فترة الحرب الأهلية وصراعات الأجنحة المختلفة في البلد كتبتُ أيضًا قصائد سياسية، وقبل ذلك، في أيام سياد بري، كنتُ ضدّ الدكتاتور وكتبتُ فيه قصائد. لكن هذه كلها كانت مواقف قيمية، وليست مواقف لمجرّد أنني في حزب ضد حزب.

المحاور صحيح، مواقف انتماء لوطن كامل.

الشاعر نعم، انتماء لوطن، وانتصار لقيم وقضايا معيّنة.

الدواوين

المحاور شاعرنا، لك إصداران من الشعر، الأول بعنوان «أنتِ أبهى» والثاني «أوتار مبعثرة».

الشاعر هما المنشوران الآن، لكن سبقتهما دواوين أخرى غير مطبوعة: أوّلها «عبير الأبد»، كتبتُه قبل انهيار الحكومة الصومالية بعدما عدتُ من مهرجان المربد في العراق، وبقي مخطوطًا، وهو يروي قصة حبي الأولى في سنّ المراهقة، ثم «نقوش على جراح الوطن الذبيح»، وهي القصائد التي تتحدّث عن الوطن مثل «الرحيل إلى المتاهة»، و«توقيعات عاشق»، و«أشواق وأذواق»، و«لعينيك يا قدس»، و«لا تفطميني عن هواك حبيبتي»، و«غابات من العنبر»، ثم «أنتِ أبهى» و«أوتار مبعثرة». هذه تسعة دواوين، طبعتُ اثنين فقط، وهما من الشعر الأخير، والباقي مخطوطات محتفَظ بها، أعدّها الآن للمطبعة إن شاء الله في الفترة القادمة.

المحاور نتمنى لك التوفيق.

«أحبّ حديثها»

المحاور شاعرنا، نستمع الآن إلى النص الثالث «أحبّ حديثها».

أُحِبُّ حَدِيثَهَا الْمَبْثُوثَ هَمْسًاوَأَعْشَقُ رُوحَهَا رَوْحًا وَأُنْسَا
كَأَنَّ أَرِيجَهَا عَبَقُ الرَّوَابِيإِذَا مَا أَمْطَرَتْ وَرْدًا وَوَرْسَا
كَأَنَّ شُعُورَهَا سَعَفَاتُ نَخْلٍتَدَلَّتْ تَحْمِلُ الأَعْذَاقَ غَرْسَا
وَتَعْشَقُنِي وَأَعْشَقُهَا وَلَكِنْتَرَانِي أَخْلِسُ النَّظَرَاتِ خَلْسَا
فَلَا تَقْوَى النَّوَاظِرُ أَنْ تَرَاهَامُتَابِعَةً.. إِذِ الأَبْصَارُ تَخْسَا(1)
إِذَا خَرَجَتْ تَمِيسُ بِثَوْبِ عِزٍّوَلَا تُبْدِي لَهَا فِي الْخَطْوِ حِسَّا
شَقِيقَةُ أَنْجُمٍ آخَتْ بُدُورًاوَمِنْ عَجَبٍ تَرَى الْأَقْمَارَ إِنْسَا
هِيَ الشَّمْسُ الَّتِي زَانَتْ سَمَاءًإِذَا شَعَّتْ يَغِيبُ الكُلُّ خَنْسَا(2)
فَتَظْهَرُ وَحْدَهَا أَسْمَى جَمَالٍوَتَكْنِسُ غَيْرَهَا فِي الحُسْنِ كَنْسَا
هَشَشْتُ لَهَا فَهَشَّتْ لِي كَأَنِّيبِدَهْرِي لَمْ أُصَبَّحْ أَوْ أُمَسَّى
وَتَأْسِرُنِي بِوَجْهٍ فَاقَ حُسْنًاإِذَا أَشْبَهْتُهُ بَدْرًا وَشَمْسَا
تُصَبِّحُنِي بِبَسْمَتِهَا ابْتِهَاجًافَتَفْتَرُّ الدُّنَى دُرًّا وَلَعْسَا
تُغَادِينِي بِدَنْدَنَةِ الْحَكَايَاتُمَوْسِقُ مَا بَدَا مِنْ قَبْلُ هَمْسَا
كَأَنَّ حَدِيثَهَا أَنْغَامُ لَحْنٍأُذِيبَ بِهِ سَنَى الأَقْمَارِ قَبْسَا
تَرُجُّ فُؤَادِيَ المَمْهُورَ حُبًّافَتَحْسَبُ أَنَّ بِي جِنًّا وَمَسَّا
أُعِيذُ جَمَالَهَا حَسَدَ الْغَوَانِيتَمُرُّ بِهِنَّ، يَصْطَكِّينَ ضِرْسَا
وَقِدْمًا تَحْسُدُ الْحَسْنَا حِسَانٌيَغِرْنَ مِنَ الجَمَالِ إِذَا اسْتُحِسَّا
سَفِينُ هَوَايَ قَدْ مَخَرَتْ بُحُورًاوَطَافَتْ فِي شَوَاطِئَ ثَمَّ كَلْسَا(3)
وَلَمَّا أَنْ رَأَيْتُكِ فِي حَيَاتِيجَعَلْتُ هَوَاكِ مُتَّكَأً وَمَرْسَى
وَمَا أَحْلَاكِ مَرْفَأَ قَلْبِ ظَامٍوَمَا أَنْسَى فَلَا إِيَّاكِ أَنْسَى

  1. (1) تَخْسَا: من خَسَأَ البصرُ إذا كَلَّ وأعيا، وخُفِّفت الهمزة.
  2. (2) خَنْسَا: مصدر خَنَسَ عنه يَخْنِسُ ويَخْنُسُ خَنْسًا وخُنُوسًا: تأخَّر، كانْخَنَسَ (القاموس المحيط).
  3. (3) كَلْسَا: الكِلْسُ: الجيرُ، وهو المادةُ المتبقِّية بعد تسخين الحجر الجيري تسخينًا شديدًا. واستخدم الشاعر كلمة «كَلْسَاء» وحذف الهمزة تخفيفًا بمعنى مُتجيِّرة، بمعنى أنّ هذه الشواطئ أصبحت حجارتها جيرًا من شدة السخونة فلم تعد فيها حياة.

المحاور ما شاء الله! شكرًا شكرًا، الله يكرمك.

المسابقات والتفعيلة والنثر

المحاور شاعرنا، ألم تحاول المشاركة في المسابقات الشعرية مثل «أمير الشعراء»؟

الشاعر حقيقةً، عندما علمتُ بـ«أمير الشعراء»، في بدايته تقريبًا، كنتُ قد تجاوزتُ السنّ المسموح بها؛ عندما رأيتُ الشروط كان ألّا يتجاوز المتقدّم الثلاثين عامًا، وأنا كنتُ في ذلك الوقت في الثانية والثلاثين تقريبًا، فلم أستطع أن أتقدّم.

المحاور للأسف. شاعرنا، كل ما استمعنا إليه وكل ما قرأناه هو من الشعر العمودي؛ ماذا عن التفعيلة والنثر؟

الشاعر نعم، عندي بعض شعر التفعيلة. كنتُ ضد شعر التفعيلة، وكتبتُ في ذلك مقالًا في فترة الشباب، لمّا كنتُ ملتزمًا بالعمود الشعري بشكل صارم، ثم بعد ذلك بدأتُ أكتب شعر التفعيلة أيضًا، وكتبتُ فيه ديوانًا كاملًا اسمه «غابات من العنبر».

المحاور نعم. هذا عن التفعيلة، والنثر؟

الشاعر طبعًا كتبتُ في النثر كثيرًا؛ لأني كنتُ أكتب في جريدة «نجمة أكتوبر»، وكنا ممنوعين من الكتابة في السياسة، فكنا دائمًا نكتب في الثقافة، وكتبتُ من المقالات الثقافية الكثير. وكتبتُ أيضًا القصص القصيرة حتى جمعتُها في كتاب اسمه «ليل الأشباح»، لكنه لم يُطبع، وهو للأسف من الأشياء الضائعة. وفي أواخر الثمانينيات أعددتُ كتابًا سمّيته «شعراء العربية في الصومال»، جمعتُ فيه عددًا من الشعراء الصوماليين وبعض قصائدهم، وحديثًا عن الشعر والأدب العربي في الصومال، لكنه ضاع أيضًا خلال الحرب الأهلية للأسف.

المشهد الثقافي في الصومال

المحاور للأسف. كيف ترى الوضع الثقافي في الصومال؟

الشاعر للأسف الشديد، معظم العرب لا يعرفون شيئًا عن الأدب العربي في الأطراف، ليس في الصومال فقط، لكن الصومال أكثرها جهلًا منهم؛ أكثر النقّاد وأكثر الأدباء يجهلون ما يحدث في المشهد الثقافي في الصومال. المشهد الشعري والثقافي عند الشعراء العرب وعند الأدباء المثقّفين متركّز في بلاد الشام ومصر والعراق، وإذا امتدّ قليلًا ربما شمل جزءًا من الجزيرة العربية.

المحاور لكن أنت كيف تصفه، لو أردنا أن نعرف منك؟

الشاعر كان مليئًا بالشعراء والأدباء، والآن هو مليء بالشعراء الشباب الناشئين، الذين يُخفون أنفسهم للأسف الشديد، ولا يتجرّؤون على النشر، لكنني أتابع قصائدهم وأنا معجب بهم جدًّا. عندي الآن مشروع ثقافي لإبراز هؤلاء الشعراء؛ أريد أن أطبع ديوانًا جماعيًّا، أجمع فيه لكل شاعر ثلاث قصائد من قصائده، وتعريفًا بسيطًا به، مع مقدّمة عن الشعر العربي في الصومال وتاريخه. وهذا هدف لنا إن شاء الله أن نحقّقه في المستقبل القريب.

«حديثكِ.. همسكِ»

المحاور إن شاء الله يا رب. شاعرنا، دقيقة من أي قصيدة تختارها نختم بها.

الشاعر طيّب، «حديثكِ.. همسكِ»، وهذه قصيدة تفعيلة وليست عمودية.

حَديثُكِ.. هَمْسُكِ لَوْ تَعْلَمِينْ؟؟؟
يُكَهْرِبُ قَلْبِي ..
وَيُسْكِرُ رُوحِي ..
وَيَسْرِي لِيُنْعِشَ دِفْءَ كِيَانِي.
وَسَمْعِيَ يَرْعَشُ مِنْ نَبَرَاتِهْ
وَمِنْ نَغَمَاتِهْ
أَذُوبُ .. تَذُوبُ جُزَيْئَاتُ ذَاتِي
كَمِثْلِ انْسِكَابِ السُّلافِ بِكَأْسِ النَّدَامَى..
حَديثُكِ … هَمْسُكِ لَوْ تَعْلَمِينْ!؟
يُجَرِّدُنِي مِنْ حُدُودِ الزَّمَانِ
يُحَرِّرُنِي مِنْ تُخُومِ الْمَكَانِ
أَغِيبُ عَنِ الْوَعْيِ فِي الانْدِهَاشْ
أَلُوذُ بِسَمَّاعَةِ الْهَاتِفِ
وَأَحْضُنُهَا.. وَأَلْثُمُهَا
أُحِسُّ بِأَنِّي أُمَسِّدُ شَعْرَكْ
وَتَرْتَاحُ رَأْسُكِ عُصْفُورَةً..
عَلَى كَتِفِي..
وَأَنْتِ كَمَا أَنْتِ حِينَ تُنَاجِينَ
بِلَحْنٍ يُذِيبُ شَجَاهُ الْحَجَرْ
أُعَانِقُ رُوحَكِ
وَهْيَ تُمَوْسِقُ لَحْنَ الشَّجَى
كَفَانِي انْتِشَاءً .. كَفَانِي
فَأَنْتِ لِرُوحِي كَرَاحِ النَّدَامَى
وَأَنْتِ لِرَاحِيَ رُوحُ انْتِشَائِي.
وَتَحْمِلُنِي الْكَلِمَاتُ الْعِذَابْ
لِتَنْشُلَنِي
وَتَرْفَعَنِي
عَنْ مُحِيطِ الْعَذَابْ
وَهَمِّ الْفِرَاقِ.. وَغَمِّ الْغِيَابْ
فَيَنْدَى فُؤَادِي
بِلَحْنٍ مُذَابٍ
كَأُنْسِ الشَّرَابْ.
أَزِيحِي الْفَوَاصِلَ مَا بَيْنَنَا
لِأَشْعُرَ بِالدِّفْءِ فِي الاغْتِرَابْ
وَأَشْعُرَ أَنَّ الزَّمَانَ/الْمَكَانَ
عِنْدَ الْمُحِبِّينَ مَحْضُ سَرَابْ

الختام

المحاور شكرًا شكرًا، شكرًا لك أستاذ.

الشاعر العفو، أشكرك أيضًا، شكرًا جزيلًا على هذه الاستضافة، وإن شاء الله تستضيفون مستقبلًا شعراء صوماليين.

المحاور إن شاء الله، أكيد، سنكون على تواصل في الموسم الثاني من هذا البرنامج. شاعرنا محمد الأمين محمد الهادي من الصومال، شاعر وإعلامي وسياسي ومناضل من أجل العدالة والحرية في الصومال. أنا فخور جدًّا بهذا اللقاء وسعيد جدًّا بوجودك معنا في برنامج «نجوم القوافي».

الشاعر شكرًا لك.

المحاور كل التحية لك ولإخواننا في الصومال، كنتَ نجمًا من نجوم القوافي.

الشاعر شكرًا جزيلًا، بارك الله فيك، السلام عليكم.