الصورة: غابة أرز الرب في لبنان — Vyacheslav Argenberg، ويكيميديا كومنز (CC BY 4.0) — صفحة الصورة
نُشرت هذه القراءة في مجلة «المؤاخاة» الإلكترونية (1999–2001)، وكان الكاتب رئيس تحريرها. لم يُحفظ تاريخ العدد، والصفحة محفوظة في أرشيف الإنترنت منذ مارس 2001، وهذه نسختها المحفوظة.
أعترف أنني لست ناقدا ولا أملك من أدواته سوى حسي المرهف… ولا أزعم أن قراءتي تضيء النص ولكني أود أن أشاطر القراء بعضا مما جال في خاطري أثناء قراءتي القصيدة والطريقة التي فهمتها بها والفضاءات التي حملتني إليها.
من طبيعي أن أقسم النص أن أقسم النص الذي أقرأه إلى مقاطع تساعدني على متابعة الشاعر ومعرفة انتقال انفعالاته من أوج إلى أوج ومن طور إلى طور ومع أن ذلك في الشعر من الصعوبة بمكان إذ تمتزج المشاعر والانفعالات ويصعب خيط فاصل بينها ولو رفيع … إلا أنني يغلبني طبعي هذا دائما. لذا فقد قسمت قصيدة شاعرنا «نعيم» إلى خمس مقاطع كما يلي:
(1)
عَائِدٌ…………
…………..
……………
………..الْإِعْصَارْ
(2)
سَأَسْلُخُ………
…………..
……………
……….
…………قَلْبَ الْجَزَّارْ
(3)
وَمَاذَا بَعْدَ الْمَوْتِ …………
………….
…………قُبَّعَةُ الْأَحْبَارْ
(4)
أَتُرَاهَا تُشْبِهُ……..
……… …………
. ……………
…….أَجْوِبَةَ الْفُجَّارْ
(5)
أَوْ أَنَّهَا تُشْبِهُ مَا عِنْدَ الْعَرَبِ
…………….
…………. ………
……. …….شَرَفَ الْأَحْرَارْ
هذا التقسيم فقط لمتابعة أنفاس الشاعر وانفعالاته حسب تدرجه فيها وليعذرني الشاعر في هذا. أقول هذا حتى لا أتهم بانني أمزق النص أشلاء!!!!!!
يغني شاعرنا: عائد في يدي ضوء ذبيح …. هل رأيتم منظرا أكثر ألما من شاعر ذبح الضوء على يده، الضوء الذي يسعى إليه الشاعر، الضوء الذي عاش الشاعر لأجله طوال عمره، الضوء الذي يحمله لينير دروب الناس، هذا الضوء استحال إلى لون الدم القاني واختلط دم هذا الضوء الذبيح بدم الشاعر ليغسل الجرح الذي خلفه الزمن العاري. وأصبح الدم الذي يغسل الجرحُ منه هو الذي يغسل الجرحَ، لكن هذا الدم أقرب إلى دم الشهداء منه إلى دم الذبيح. إنه دم يفوح مسكا معجونا بالعطر وبالنار. لذا فعلى وجه شاعرنا أمل محفور هو نبوءة الشعر ورؤيا الحلم ونور الشمس. صورة تجسدت فيها المعاناة النفسية التي مرت بالشاعر وتدرعه بالأمل لمستقبل أروع. لكنها تطرد بالأمل كل تلك المعاناة وكل تلك الجراح، بهذه الصورة يستقبلنا الشاعر للدخول إلى عالم قصيدته وينتقل بنا إلى المقطع الثاني حاملا معه إصرار الأمل وضراوة الطموح:
«سأسلخ رقبة هذا السرطان ….» واعجب لهذا البطل وهذه البطولة التي تهدد العدو وهو يعترف أنه يفتك بجسده « يأكل من جسدي ليل نهار.. ويترك في روحي وخز الإبر» ويعود ليعلن « سأقهره هذا اليسكن في رئتي، ويمصمص رائحة الموت المتساقط عن مائدة التبغ……» مواجهة دامية بين التحدي/ الشاعر /الأمة بكل عنفوان الحياة التي تدب في روحه في مقابل هذا الموت الذي يشتد هجومه على الجسد ويسكن في الرئة … « مواجهة بين من يملك السيطرة على المعنوي (روح الشاعر كرمز للأمة المصرة على الحياة رغم عظم التحديات) ومن يسيطر على الحسي (والسرطان كرمز للعدو الذي يأكل من جسد الأمة ويسكن في رئته) وخلال ذلك يؤكد الشاعر ويلح على أنه ما زال حيا ويواجه العدو بشراسة رغم قلة الحيلة » سأسلخ…سأقهر….سأطفئ..”
وينتقل بنا في المقطع الثالث – بعد أن هدأت انفعالاته – إلى فلسفة جدلية متسائلا « وماذا بعد الموت؟ » سؤال مشروع!! أليس كذلك!!؟؟ هذا الموت الذي يهددني به العدو /السرطان.. ماذا بعده؟؟ «حياة يفرضها الجدل الغيبي؟؟ أوليس الغيب ثياب الوهم يلبس شادور المرأة حينا وآخر قبعة الأحبار؟» إذاً لنقترب إلى الواقع حتى نلتمس منه ما يشبه ما بعد هذا الموت… هذا الواقع الذي نتمسك به ربما يكون أبشع من الموت وما بعد الموت.. نعم لنفترض: أتراها تشبه ما في لبنان؟ وهنا ينتقل بنا إلى ذاته التي تجسد ذات لبنان الذي ابتلي بالسرطان الصهيوني ولكنه مازال يقاوم حتى شارف الانتصار ومن هذه المقاومة ومن هذا الانتصار يستمد الشاعر قوته فهو أيضا «في نفسه مقاومة باللحم، وبالعظم، الأغلى من مجد، لا مجد له، وبالثقة الأمضى من حد السكين وحد السيف» بل وبما هو أمضى من ذلك « وبالإيمان الأغنى من نفط الأرض، وتاج الملك، وأسئلة الجوع، وأسئلة الحزن وأجوبة الفجار » هذا هو الشاعر وهذه هي لبنان. فهنا عدو وهناك عدو وهنا مقاومة وهناك مقاومة وكلاهما يتدرعان بالإيمان الذي لا يقهر…
ولكن هناك واقع آخر متخاذل ينتظر من هذه المقامة – التي يتنكرون لها عندما يرغبون ويتخلون عنها – أن تبيض وجهه وهو هذا: «أو أنها تشبه ما عند العرب؟ من زيت مخزون في أشداق الغول » الزيت الذي ينبغي أن يكون السلاح الذي يقاوم « وسلطان يحرسه الصهيوني المختبئ في أزرار القمصان، نياشين العسكر إن قاموا وإن ناموا، تحكمهم زمرة زعران» ولن تجيل طرفك ولا فكرك كثيرا لترى وتعرف من هم هؤلاء العرب الذين وصفهم الشاعر لك.. وكم هو مصيب في وصفه..
لكن هذا العرب ينتظر من هذا اللبنان الأصغر (في حجمه) من بئر واحدة للبترول، والأكبر ( بإيمانه وبمقاومته ) من كل الدنيا، أن يدفع عن كل العرب أن يرخص فيه الموت دفاعا عن شرف الأحرار« المقاطع الثلاثة الأخيرة متداخلة ومتقاطعة ………. أرأيت كيف يمزج الشاعر بين العام والخاص ولا يجعلك تجد له فاصلا يذيب ذاته في هذه الأمة.. ومن هي هذه الأمة بدون أمثال هذا الشاعر العظيم … ولعله من المفيد أن نشير إلى القارئ الكريم أن يعود لقراءة قصيدة » الوجه المجنون” التي كتبها الشاعر في أول إصابته بالمرض ليجد الفرق بين حالتي الشاعر في أول المرض وآخره… فهناك كان يتراءى له منظر الموت ويخاف ولكنه هنا قهر الموت وتمكن منه وأعلن موته …..
فلتدم لنا يا شاعرنا لتنير دربنا بالضوء الذي تحمله وإن كان مذبوحا………….
