زوجة كلينتون بمليون ريال!!

زوجة كلينتون بمليون ريال!!

الصورة: طبق لاستقبال البث الفضائي — High Contrast، ويكيميديا كومنز (CC BY 3.0 de) — صفحة الصورة

شارك:

نُشرت هذه المقالة في موقع «نقوش» القديم (nuqush.com) بتاريخ 4 ديسمبر 2000.

من يتابع الفضائيات العربية يصاب بالدهشة، ولا بد أن يتسائل عن دورهذه الفضائيات وعن تفكير القائمين عليها.. فهي لا تراعي حالة المشاهد العربي المسلم ولا تحافظ على مشاعره بل تجرحه جرحا..

فالمعروف بداهة أن شهر رمضان شهر صوم وعبادة يتقرب فيه المسلمون إلى ربهم لينالوا رضاه وينصرهم على أعدائهم… ولكن الفضائيات ترى في رمضان موسما للمسلسلات التي تحمل قيما غريبة عن مجتمعاتنا المحافظة والأغاني الهابطة التي تدغدغ الغرائز إضافة إلى المشاهد البعيدة عن الآداب العامة.. فينقلون إلى بيوتنا أجواء الملاهي الليلية وصالات الرقص.

حتى المسابقات التي من المفترض أنها تضيف إلى رصيد المرء من المعلومات المفيدة.. تبدو في فضائياتنا عديمة الفائدة بالمعلومات التافهة التي تحشى بها أدمغة المشاهدين.

وأود أن أنقل هنا للقارئ العزيز للقطتين شاهدتهما أول رمضان حتى يحكم بنفسه.

إحدى الفضائيات كانت تعلن قبل رمضان وبشكل متكرر عن مسابقة للفوز بمليون ريال.. وقلت في نفسي أن الأسئلة ستكون بمستوى هذه المليون .. فلا بد أن يكون الذي سيكسبها عبقري زمانه وفريد دهره وأوانه.. فكنت مهتما بمتابعة الأسئلة من أول الشهر فإذا بي أصاب بالدهشة للسؤالين الذين طرحا الأول هو « من هي زوجة الرئيس الأمريكى كلينتون » وتحتها ثلاث خيارات. والسؤال الثاني ” من هي الدولة الفائزة بكاس العالم في عام 1998م وتحته كذلك ثلاث خيارات..فقمت على الفور بإغلاق المحطة .. حتى لا أصاب بالجنون.

فبالله عليكم مالذي أستفيده أو أخسره إن علمت بهذه المعلومة أو جهلتها؟؟ ولماذا توضع مثل هذه الأسئلة التافهة وترصد لها ملايين الريالات ؟؟ هل هناك دور أكبر من هذا يمكن أن يقوم به أحد ما لتحطيم المثقف العربي الذي لا يجد لقمة العيش لينال أمامه من يعرف اسم زوجة كلينتون مليون ريال.. وهل يرضى محترم أن يقوز بمثل هذه المسابقة ؟؟ لا أدري!!

اللقطة الثانية: أن مسلسلا تبثه أكثر من سبع قنوات فضائية ينقل لنا إلى بيوتنا في أولى الحلقات فتاة ترقص مع أبيها في مرقص .. وكأنه شيء عادي جدا لا يخدش حياء أحد فهل ترقص فتياتنا حقا مع آبائهن في المراقص؟؟ الإجابة معروفة .. فلماذا إذا تنقل إلينا هذه القيم الهابطة التي لا توجد سوى في أوساط الساقطين؟؟ لنتأسى بها مثلا؟؟ ومتى ؟؟ في رمضان!!

هل يحس أحد منكم عند مشاهدة هذه الفضائيات أننا في حالة حرب مع إسرائيل وأن أبناءنا وشعبنا وبيوتنا تقصف يوميا وعلى مدار الساعة ويسقط الجرحى والشهداء يوميا!! هل يكون دور الفضائيات في مثل الوضع الذي نعيشه مجرد نقل الخبر في نشرة الأخبار؟؟

لقد استبشرنا خيرا في بداية الانتفاضة وقلنا: إن هذه الانتفاضة حسنت من أداء بعض هذه الفضائيات لترتقي إلى مستوى القضية ولكن للأسف اكتشفنا أنه كان فقط لرفع العتب وعندما استمرت الانتفاضة وزادت ضراوة .. لم تستطع الفضائيات الاستمرار ومواكبتها فعادت حليمة لعادتها القديمة.

أسائلكم بالله عليكم: ماهو شعور الشعب الفلسطيني عندما يعيش الليل كله تحت القصف ويقتل منه يوميا عدد من الشهداء ثم إذا فتح إذاعة أو فضائية ليرى رد فعل العرب على هذه الهمجية الاسرائيلية فيسمع أغنية هنا ويشاهد رقصا هناك ومسلسلا أو فيلما في مكان آخر؟؟

أليس من حقه أن ينقم على هؤلاء العرب .. فيقوم بحرق أعلام دولهم كما يحرق العلم الاسرائيلى والأمريكى؟؟ ولماذا يلام على فعلته تلك ونحن ندفعه إليها دفعا؟؟

من الذي سيقوم بدور التعبئة والتوعية إذا كانت وسائل الإعلام تتقاعس عنه وترى أن بث الأغانى الهابطة نوع من الجهاد.

كان معي في الثانوية العامة في الصومال بعض الشباب المصرين مع أبناء أساتذة البعثة التعليمية المصرية. وكان من بينهم صديق لى كان والده أزهريا.. وفي يوم من الأيام ونحن نسير في الطريق قافلين إلى بيوتنا تطرق الحديث إلى القضية الفلسطينية.. وكان سؤاله الذي أثار دهشتي وألمي حين قال:

لماذا يحارب الفلسطينيون إسرائيل ويسببون المشاكل دائما للعرب؟

فأخذت استطلع معلوماته عن أصل القضية الفلسطينية وإذا به كما يقول المصريون « ميحة » لا يعرف أن الاسرائليين اغتصبوا فلسطين.. وأقاموا دولتهم و..و.. وجميع المعلومات البدهية التي ينبغي أن يعرفها كل عربي وكل مسلم..

وكنت أتألم وأستغرب كيف غابت عن هذا الشاب الذي قاتل شعبه وقيادته إسرائيل هذه المعلومات ؟؟

وهوليس بالبليد في المدرسة ولا بالغبي في الفهم بدليل أنني عندما شرحت له القضية تفهمها بل تحمس وقال.ولماذا لا يقاتل العرب كلهم إسرائيل مرة واحدة ليتخلصوا منها؟

لكني الآن عرفت أن هذا التجهيل والتعتيم على القضية سياسة ومنهجية متبعة لدى بعض وسائل الإعلام.. حتى لاتثور الشعوب ضد حكامها . وإلا فلماذا لا تصاغ أسئلة تصب في جوهر القضية بدلا من زوجة كلينتون أوجاكسون.

وللأسف الشديد فإن أكثر الجيل الحاضر من الشباب يجهل الكثير الكثير عن القضية.. وليس النموذج الذي ذكرته فريدا من نوعه ومن يختلط بالشباب يعرف ذلك. وهذا أمر مؤلم .. كما هي جميع أوضاعنا مؤلمة.