تعلمتُ في «خلوة» البيت، وبلدي أمة من الشعراء

تعلمتُ في «خلوة» البيت، وبلدي أمة من الشعراء

الصورة: صفحتا الحوار في مجلة «اليمامة»، العدد 2730، 20 أكتوبر 2022

شارك:

نُشر هذا الحوار في مجلة «اليمامة» السعودية، العدد 2730، بتاريخ 20 أكتوبر 2022، ص 52–54، وحاورته منى حسن. واضطرت المجلة إلى اختصار الأجوبة بسبب المساحة المتاحة، وننشر هنا الحوار كاملًا كما أجاب عنه الشاعر. صفحة الحوار في نسخة العدد المطبوع بأرشيف الإنترنت.

محمد الأمين محمد الهادي، شاعر وإعلامي صومالي، يُعد أحد شعراء الصومال البارزين، الذين أسهموا في تطوير وتوثيق حركة الشعر العربي في الصومال، جنباً إلى جنب مع شعراء الصومال الرواد، وأضاف نتاجه المميز إلى رصيد الشعر الصومالي العربي، وكان أحد حراس الشعر فيها، فوثَّق لمن سبقه، وأشار لمن جاء بعدهُ، وساهمَ في التعريف بهم وإيصال أصواتهم خارج الحدود. بدأ الكتابة في سن مبكرة، وكان القرآن رافده الأول والأغنى في البلاغة والفصاحة، حيث نشأ في أسرة علم ودين، فحفظ القرآن، وأتقن العربية، وأخلص في محبتها. ينحاز الهادي في قصائده للشعر العمودي، مع اعتناء باللغة والبناء، وتتنوع أغراضه الشعرية، إلا أن الشعر الوجداني يظل الغرض الأكثر حضورا في شعره، كما تشف قصيدته عن ثقافة وإلمام بالتراث العربي.

ولد محمد الأمين في 23 مايو 1967م في مدينة براوة بالصومال، ونال بكالوريوس العلوم السياسية والدراسات الدولية في جامعة ميدلسيكس في لندن عام 2004م.

ثم أكمل درجة الماجستير في الاقتصاد والتنمية من مدرسة الدراسات الأفريقية والشرقية بجامعة لندن عام 2006م. عمل في الصحافة منذ عام 1985م، كما عمل في الإعلام المسموع والمرئي في الفترة بين (1985-1990م)، وهو مدير ومؤسس مركز الشاهد للبحوث والدراسات والإعلامية.

صدرت له عدة دواوين ومؤلفات أبرزها: عبير الأبد، نقوش على جراح الوطن الذبيح، توقيعات عاشق، لا تفطميني عن هواك حبيبتي، غابات من العنبر، أنت أبهى، أوتار مبعثرة، كما صدرت له مجموعة قصصية بعنوان: ليل الأشباح وروايتان: حاج عيسى، وقصة حب، إضافة لدراسة في الشعر العربي الصومالي.

التقته اليمامة في الحوار أدناه للحديث عن تجربته الشعرية والإطلالة من خلاله على مشهد الشعر العربي في الصومال:

ضحى والدك بتعليمك الابتدائي اعتراضا منه على أن تدرس باللغة الصومالية التي فرضت في السبعينات، وفضل أن يقوم بتدريسك بنفسه، فكيف تنظر لقراره الآن؟

كان والدي يرحمه الله بعيد النظر في هذا وقد قام بما برز الآن كخيار متوفر للوالدين في البلدان المتقدمة، ففي هذه البلدان يمكن أن يختار الوالد ألا يأخذ ولده إلى المدرسة ويعلمه في البيت لأي سبب كان دينيا أو ثقافيا أو نفسيا كأن يخاف على ولده من سلوكيات معينة والتأثر بالتنمر الموجود في المدرسة، وتشهد معظم الدراسات على أن الطلبة الذين يتخرجون من «المدرسة المنزلية» Home Schooling أكثر تفوقا في الدراسة والحياة.

وهذا كان دأب الأغنياء والأمراء في العصور الذهبية إذ كانوا يخصصون مؤدبا أو معلما خاصا لأولادهم، وما دام الوالد قادرا على توفير هذه البيئة التعليمية لولده فأراه الخيار الأفضل.

وأنا استفدت كثيرا من ذلك الخيار لأني تعلمت على يد الوالد يرحمه الله ما كان من المستحيل أن أتعلمه في المدرسة النظامية الصومالية، فالوالد علمني اللغة العربية اطلاعا وقواعد وعلمتني والدتي الحساب وتكفلت أختي بتعليمي القرءان الكريم. والحقيقة أني كنت محظوظا لأن والدتي وأختي كانتا مدرستين للقرءان وكان البيت كتّابا (خلوة) للأطفال تقوم عليه الوالدة وتساعدها فيها أخواتي، فإحدى أخواتي علمتني القرءان والأخرى علمتني الكتابة والوالد تكفل بتعليمي اللغة العربية.

ولم يقتصر تعليم الوالد رحمه الله من الكتب المدرسية أو القواعد بل تعداه إلى الأدب فكان يحدثني بالليل وأنا أمسد رجليه عن امرئ القيس والشعراء الجاهليين وبعض الأشعار التي قيلت في مناسبات معينة، وكان يحكي لي قصص الأنبياء والرسل والصحابة، ثم قصصا من الأدب العربي، فأنا سمعت الكثير من هذه القصص من فم الوالد مباشرة قبل أن أقرأها من الكتب، مثلا قصة الزباء المليئة بالأمثال العربية، وقصة الملك الضليل، وقصة عنترة، وقصص الحيوانات وغيرها كان الوالد يسردها لي وكأنه يحكي ما، وكان الوالد مطلعا على الكثير من كتب الأدب التي قرأها دون أن يغرق فيها.

لهذا كله أرى أن قرار الوالد كان صحيحا وفي محله وقد أفادني كثيرا.

الشعر الشفاهي، الميزة التي يتصف بها الشعر الصومالي، والذي جعل الشعب الصومالي -حسب تعبير الكاتب الصومالي نور الدين فرح- «أمة من الشعراء» إما كتابا للشعر أو حفظة له. كيف تقرأ أثر هذا الإرث الثقافي على القصيدة الصومالية، وهل اقتصر على شعراء اللغة الصومالية أم شمل العربية؟

الشعر في المجتمع الصومالي يتبوأ مكانة تكاد تكون منقطعة النظير بين الأمم ويتناقل شفاهة ويرويه الناس من أفواه الشعراء، وله أنواع كثيرة من بينها الرباعيات التي يرتجلها الشعراء في المبارزات الليلية تحت ضوء القمر، وغالبا ما يصحبه الرقص الرجالي.

وقلما تجد صوماليا لا يحفظ شعرا، مثلما يندر أن تجد صوماليا لا يحفظ القرءان، فالثقافة الشفاهية متغلغلة في المجتمع وهو أشبه بما كان عليه العرب قديما عندما كانوا على أصالتهم، فالصوماليون الذين سماهم الروائي الصومالي «نور الدين فارح» بـ «أمة من الشعراء» قد سميت أرضهم من قبله بـ «أرض الشعر»، وقد ذكر المستكشف البريطاني السير ريتشارد بيرتون أثناء زيارته للصومال عام 1854 أن «البلاد تعج بالشعراء». ولا شك أن ذلك يرجع إلى نمط الحياة الرعوي إلى حد كبير للصوماليين، والشعر الصومالي يروى شفاهة أساسا أي أنه من حين تأليفه إلى نشره وحفظه وتوزيعه لا يعتمد على الكتابة، فاللغة الصومالية لم تكتب إلا في عهد سياد بري. وهذا الشعر يؤرخ لأيام الصومال وملامحها وحياتها البدوية مع الصحراء والإبل التي تلازم البدوي، ويحمل كل ما يتعلق بحياة الصومالي من حب وحرب.

وهذا الإرث الثقافي الصومالي لا يقتصر على الشعر فقط، بل ينسحب إلى القص الروائي الذي يجعل الصومالي حين يروي حدثا يضفي عليه دراما وفكاهة من تعبيره الخاص، وهو جزء من تجليات الثقافة الشفهية التي تعزز رواية الأحداث وتناقلها عبر الأجيال، وذلك ما يجعل الصوماليين يتميزون في مجال القص وإن لم تكن قصصهم ورواياتهم بالصومالية غير مشهورة فإن الذين يكتبون بلغات أخرى مثل العربية أو الإنجليزية يشتهرون بسرعة عندما يطرقون هذا الباب، فأمامنا الروائي العالمي نور الدين فارح كنموذج وأبح كريستينا على فارح الراوائية التي تكتب الروايات والشعر بالإيطالية وأحرزت عددا من الجوائز في إيطاليا، والروائية المشهورة ورس ديريه صاحبة رواية «زهرة الصحراء» والروائية نظيفة محمد التي تكتب رواياتها بالإنجليزية وفازت ونالت روايتها الأولى جائزة بيتي تراسك لعام 2010م ورشحت لجوائز أخرى عديدة كما فازت روايتها الثانية «بستان النفوس الضائعة» بجائزة سومرست موغام عام ٢٠١٤م وهي جائزة بريطانية أدبية تمنحها جمعية المؤلفين في بريطانيا للكتاب الشباب تحت الثلاثين عاما.

وفي الشعر هناك شعراء وشاعرات يبدعون وينشرون دواوينهم بالإنجليزية، خاصة بعد هجرة الصوماليين إلى الغرب ولهم حضورهم في هذا المجال، ونذكر منهم هنا الشعراء الصوماليين الشباب في المهجر الذين يكتبون الشعر بالإنجليزية ففي بريطانيا وحدها هناك على سبيل المثال ورسن شري وفاطمة ديريه وفيصل صالح وممتازة مهري وحمدي خليف وفي الولايات المتحدة وكندا والبلدان الأخرى سوى هؤلاء من الشباب الكثير.

وكما أنهم أمة شعر فهم أيضا أمة طرب وغناء، وهذا يظهر في أفراحهم كثيرا، وحتى المسرح الذي جاء متأخرا إلى الصومال كان في أغلبه غنائيا بامتياز، فلم تخل مسرحية صومالية من أغانٍ للبطل أو البطلة. وفي العربية نجد الشاعر الصومالي المولود في ظفار بعمان المرحوم علي بن عبدالله صواخرون الذي برز في كتابة الأغاني الجميلة باللهجة الخليجية وبرز اسمه في الغناء العماني والخليجي، والفنان الصومالى السودانى أحمد ربشة بأغانيه الجميلة اليي أحبها السودانيون، والفنان المطرب الموسيقار أحمد ناجي. كما نجد على المستوى العالمي الشاعر ومغني الراب الشاب كينان عبدي ورسمه الذي يكتب أغانيه ويلحنها ويغنيها بنفسه والمشهور عالميا حيث فازت أغنيته «Waving the flag» لتكون رمز بطولة كأس العالم لكرة القدم في جنوب أفريقيا عام ٢٠١٠م، ولا تزال من أشهر الأغاني.

وهذه الروح الشعرية مشهودة في العربية كما هي مشاهدة بكثافة أكثر في الصومالية، فيسهل على الشاب الصومالي الذي يتعلم العربية ويطلع على بعض أساليبها الشعرية أن يكتب الشعر الفصيح والنبطي بيسر، ويشهد على ذلك ظهور الشاعر الصومالي محمد ابراهيم عبدي في مسابقة «شاعر المليون» الذي يكتب الشعر النبطي الخليجي بتمكن، والشاعر الشاب الصومالي الذي تربى في الكويت محمد محمود حرسي صاحب ديوان «مسافات ملونة».

ربما المختلف هنا هو انتقال الشعر والرواية من مجال الرواية الشفهية إلى الكتابة والتدوين لدى الشعراء والروائيين الصوماليين الذين يكتبون باللغات غير الصومالية. وكما أن هناك أدباء صوماليون يكتبون بالعربية أو الإنجليزية فهناك من يكتب بالإيطالية والفرنسية.

كذلك يختلف الشعر العربي في الصومال بأنه ليس شفهيا بل أغلبه مكتوب ولا يتفاعل معه المجتمع كله، بل يقتصر التفاعل على المثقفين والدارسين للعربية، ولأن الذين اعتنوا بالعربية قديما كانوا من العلماء ومشايخ الصوفية فإن الشعر العربي كانت موضوعاته في الأغلب دينية ولا سيما في المدائح الصوفية كما نجد عند الشيخ عبدالرحمن الزيلعي ومن بعده محي الدين قاسم البراوي، والابتهالات الدينية كما عند الشيخ عبدالرحمن الصوفي، أو نظم المتون. وخلال فترة الاستعمار وما بعده خرج الشعراء عن ذلك النمط التقليدي متأثرين بالحركات الثورية في البلدان المستعمرة ليعبروا عن رفضهم للاستعمار وعن الروح الثورية والوطنية كما نجد عند عبد الرحمن الطويل وعمر عبد الرحمن الأزهري وعمر علسو، ثم انتشرت لدى الشباب في فترة ما بعد الحرب الأهلية الشعر الذاتي والوجداني والاجتماعي الذي خاض فيه الشعراء الشباب. ومع ذلك لم يغب النفس الديني عنهم.

بين السياسي والثقافي صداقة قديمة، أين تقف قصيدتك من هذه الثنائية؟

عملي في الإعلام وانخراطي في العمل السياسي نشاطا وممارسة انعكس بعض الأحيان على قصائدي، ولكني أحاول ألا تكون قصائدي مرتبطة بأحداث سياسية لذلك أقلل من الكتابة فيها ولكن يختلط بعض الأحيان الخاص بالعام في هذا المجال، ففي بلد أدمته الحرب الأهلية يصعب على الشاعر أن يتحدث عن آلامه بمعزل عن آلام الأمة الذي تسببت فيها السياسة، ودراستي الأكاديمية لم تبتعد عن السياسة أيضا. أحاول أن أبتعد عن أن تكون قصيدتي تدوينا لحدث سياسي ولكن أجد انعكاسا لهذه الأحداث في قصائد لم تكن أصلا لهذا الغرض. ففي قصيدة كتبتها قبل ٣٠ عاما بمناسبة حولية عالم من العلماء في شرق أفريقيا وجدت أن هم الوطن انعكس عليها حين قلت:

هَمَّانِ يَعْتَصِرَانِنِي لَوْلَاهُمَا     أَمْضَيْتُ عُمْرِي فِي نَعِيمٍ وَافِرِ
وَطَنِي لَهُ فِي الْقَلْبِ جُرْحٌ مُثْخَنٌ     وَغِيَابُ مَنْ مَلَأُوا مَجَالَ سَرَائِرِي

وفي قصيدة طويلة في ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم كتبتها عام 1416هـ الموافق 1995م وكانت آلام المسلمين في البلقان والمبعدون الفلسطينيون كما كانت أخبار الحرب الأهلية والتي كان أبرز زعمائها في ذلك الوقت عيديد ومهدي والمجاعة في الصومال تتصدر الأخبار، فانعكس ذلك على القصيدة حين قلت في بعض أبياتها:

فَكَمْ بِبَلْقَانَ مِنْ حُرٍّ يُسَامُ أَذىً     وَكَمْ جَرَى فِي رُبَاهَا مِنْ دَمٍ هَدَرِ
وَكَمْ بِبُوسْنَةَ مِنْ عِرْضٍ يُدَاسُ وَكَمْ     عَذْرَاءَ بَاكِيَةٍ مِنْ حَظِّهَا الْعَثِرِ
كَمْ حُرَّةٍ صَرَخَتْ وَلَا كَمُعْتَصِمٍ     يُجِيبُ صَرْخَتَهَا بِالْجَيْشِ وَالنُّذُرِ
وَتِلْكَ صُومَالُ أَوْصَالٌ مُمَزَّقَةٌ     تَبَعْثَرَتْ فِي طَرِيقٍ مُوحِشٍ وَعِرِ
عِيدِيدُ يَزْعَقُ وَالْمَهْدِي يُجَاوِبُهُ     كِلَاهُمَا طَامِعٌ يَسْعَى إِلَى وَطَرِ
وَالشَّعْبُ يَا وَيْلَهُ يَشْقَى بِلَا سَبَبٍ     فَلَا تَرَى غَيْرَ أَشْبَاحٍ مِنَ الْبَشَرِ
أَفْنَتْهُمُ الْحَرْبُ لَا يَدْرُونَ وِجْهَتَهُمْ     وَيَعْكُفُونَ عَلَى وِرْدٍ بِلَا صَدَرِ
وَلَاجِئُونَ غَدَوْا فِي كُلِّ مَهْلَكَةٍ     مُشَرَّدِينَ بِلَا مَاءٍ وَلَا شَجَرِ
الظَّالِمُونَ وَأَمْرِيكَا ..تَقُودُهُمُ     جَاءُوا يُقِيمُونَ عَدْلًا بَيِّنَ الْعَوَرِ
وَاضَيْعَةَ الْحَقِّ مِنْ عَدْلٍ يُحَكِّمُهُ     قَصْفُ الصَّوَارِيخِ فِي بَدْوٍ وَفِي حَضَرِ
وَفِي فِلَسْطِينَ أَمْجَادٌ مُحَطَّمَةٌ     وَالْقُدْسُ تَنْحِبُ فِي أَنَّاتِ مُحْتَضَرِ
طِفْلٌ هُنَالِكَ فِي الْبَأْسَاءِ مُصْطَبِرٌ     يُنَازِلُ الْمِدْفَعَ الْجَرَّارَ بِالْحَجَرِ
لَيْسَتْ لَهُ مِثْلَ أَطْفَالِ الْوَرَى لُعَبٌ     تُوحِي إِلَيْهِ بِأَحْلَامِ الصِّبَا النَّضِرِ
مِنْ مَهْدِهِ ثَارَ لَا يَلْوِي عَلَى أَحَدٍ     لَيْسَتْ لَدَيْهِ مُنًى شَاخَتْ مَعَ الْكِبَرِ
يُعَلِّمُ الصِّيدَ أَرْبَابَ النِّضَالِ أُولَى     خَاضُوا النِّضَالَ بِهَزِّ الْبَطْنِ وَالْخَصَرِ
أَنَّ الْكَرَامَةَ فِي الْأَحْرَارِ إِنْ سُلِبَتْ     لَا تُسْتَرَدُّ سِوَى بِالنَّابِ وَالظُّفُرِ
وَأَنَّ صَاحِبَ حَقٍّ لَا يُذَلُّ بِهِ     مَهْمَا طَغَى ظُلْمُ ذِي جَوْرٍ عَلَى الْبَشَرِ

✽ ✽ ✽

وَالْمُبْعَدُونَ وَمَا زَالَتْ خِيَامُهُمُ     مَضْرُوبَةٌ فِي فَيَافِي الثَّلْجِ وَالْمَطَرِ
لَمْ يَسْتَكِينُوا عَلَى ظُلْمٍ وَمَا وَهَنُوا     لِمَا أَصَابَهُمُ مِنْ ظَالِمٍ أَشِرِ
تَشَبَّثُوا بِتُرَابِ الْأَرْضِ فِي جَلَدٍ     وَأَوْهَنُوا عَزْمَ ذَاكَ الْغَاشِمِ الْوَتِرِ
وَآمَنُوا بِانْتِصَارِ الْحَقِّ مَا وُجِدَتْ     لَهُ نُفُوسٌ لِغَيْرِ الْحَقِّ لَمْ تَثُرِ
الطِّفْلُ وَالْمُبْعَدُ الْمَنْسِيُّ وَحْدَهُمَا     هُمَا الشِّهَابَانِ فِي لَيْلِ الْأَسَى الْقَذِرِ
هُمَا اللَّذَانِ لِصَدِّ الظُّلْمِ قَدْ صَمَدَا     هُمَا لِمَنْ شَاءَ فَخْرًا خَيْرُ مُفْتَخَرِ

وكذلك في غيرهما من القصائد تجد السياسة تتسلل إليها وتبصمها ببصمتها، وهناك بعض القصائد التي جاءت تعبيرا عن موقف سياسي إزاء حدث هام في مفصل من مفاصل الأمة، إلا أن جلّ قصائدي وربما أستطيع أن أقول بكل أريحية أن ٩٠ في المائة من قصائدي ليس لها علاقة بالسياسة بل هي قصائد ذاتية. وبعض الأحيان أجد أني أغالب نفسي ولا أذعن لها في كتابة قصيدة تعليقا على حدث سياسي رغم أن القصيدة تكاد تكون قد تشكلت في الذهن.

تقول الشاعرة الصومالية حواء عبدي: «في الصومال، القصيدة سلاح قوي يمكنك استخدامها للدفاع عن نفسك أو استخدامها كسلاح للعدو»، فإلى أي حد تتفق معها؟

أتفق معها كثيرا ولا سيما في القصيدة التي تكتب باللغة الصومالية فهي قصيدة حية تنعكس فيها الأحداث اليومية، وقد سبقها إلى هذا المعنى أمير شعراء الصومال الذي لقبه الغرب بشكسبير الصومال محمد إبراهيم ورسمه (هدراوي) الذي قال إن «الشعر سلاح نستخدمه في الحرب والسلام. وعندما نريد أن نقنع أحدا بشيء فالشعر أفضل وسيلة لإقناعه» وكثيرا ما يكون الشاعر معبرا عن لسان قبيلته وينتصر لها في الحرب والسلم ويوجه خناجر شعرية إلى القبيلة الأخرى التي تعادي قبيلته، وهذا أمر طبيعي في المجتمع القبلي والبدوي. وقد استخدم الشعر كسلاح في الحرب الأهلية بشكل كبير. ولكن هذا ليس على إطلاقه فإن كبار الشعراء حاولوا الابتعاد عن الانغماس في هذا، بل شوهد منهم من سعى للحياد والسلم وتوحيد المجتمع وتوطيد أواصر الدم والأخوة بين الصوماليين. وقد قام الشاعر الكبير هدراوي بجولة جاب فيها محافظات الصومال داعيا للسلام والوحدة ونبذ الحرب إبان اشتدادها. ولذلك يمكن أن يستخدم هذا السلاح في الخير لتغيير المجتمع نحو الأفضل كما يمكن استخدامه في الشر.

وقد نجحت صاحبة المقولة الشاعرة حواء جامع عبدي وهي شاعرة موهوبة ولدت كفيفة، نجحت في استخدام الشعر كسلاح ضد الضبع في قصة أشبه بالأسطورة، وذلك كان أول قولها للشعر وهي في الثامنة من عمرها، ففي إحدى الأماسي وهي تصحب شقيقها حيث كانا يرعيان غنم أهلهما ضاعت عن شقيقها، فبحثت عنه فإذا بها تصطدم بضبع أثناء البحث عنه، فتذكرت قصة فولكلورية قصتها لها والدتها عن فتاة صغيرة ساعدها أسدٌ بعد أن غنت له. لذلك بدأت في مخاطبة الضبع بقصيدة استعطافية ترجو منه المساعدة، حيث قالت في مطلعها ما ترجمته:

عِشْتُ فِي خَوْفٍ مِنْكَ لَيْلَ نَهَارَ
وَإِنَّهُ لَعَالَمٌ لَعَالَمٌ عَجِيبٌ أَنْ أَقِفَ أَمَامَكَ اللَّيْلَةَ
وَبِمَا أَنَّنِي عَمْيَاءُ وَلَا أَسْتَطِيعُ رُؤْيَةَ أَيِّ شَيْءٍ
فَتَعَالَ أَنْقِذْنِي وَاجْعَلْ صَوْتَكَ لِي شَرِيكًا (يَهْدِينِي الطَّرِيقَ)

وبمعجزة أو كرامة ما، ردعت القصيدة الحيوان عن التهام الطفلة وخرجت سالمة من المواجهة، وصار الضبع يسير معها وهي تتبع صوته، إلى أن سمعت صوت الماعز من بعيد. فأدركت بحاستها أنه من غنم أهلها، ووجدت شقيقها، وعندما أدركت أنها بأمان وقعت على الأرض.

فهي عندما تقول إن الشعر سلاح في الصومال فهي تعنيه حقا.

ومما يشهد بقوة سلاح الشعر في الصومال أني كتبت قصيدة إبان الموجة الأولى من الحرب الأهلية وكنت كتبتها على السفينة التي نقلتني إلى كينيا لاجئا في عام ١٩٩١م بعنوان «الرحيل إلى المتاهة» وبقيت عندي لا يطلع عليها إلا الأصدقاء المقربون كما هي عادتي في جل قصائدي، ولكني ألقيتها في أمسية ثقافية جمعتني مع الأصدقاء الفنان أحمد ناجي وشاعران صوماليان آخران يكتبان الشعر بالصومالية. وكانت القصيدة تشرح ما قامت به الملشيات التي هجرتنا من البلاد وتصفهم بأوصاف غير بشرية، وكان أحد نواب البرلمان الذي يمثل القبيلة التي أغارت مليشياتها على الناس وانتهكت حرماتهم من بين المتلقين الذين كانوا في القاعة واستمع إلى القصيدة، وبعد الانتهاء من الحفلة انتحى بي جانبا، وقال: أرجوك لا تنشر هذه القصيدة وأنا ضامن لك أن آتي لك بكل شيوخ القبيلة ليعتذروا لك وليعوضوك بكل ما تريد مقابل ألا تشهر بنا هكذا ولا تلقي هذه القصيدة مرة أخرى ولا تنشرها.

وسواء كان جادا في ذلك أم غير جاد فالواضح أن إحساسه كان صادقا وشعر بأن هذا السلاح وهو الشعر سيروى على مر الدهر ويخلد ما اقترفته هذه المليشيات. ولو كانت القصيدة باللغة الصومالية لكان وقعها أشدّ عليه لأن كل المجتمع الصومالي كان سيتناقلها شفاهة.

الهجرة إلى كينيا هربا من الحرب، كيف أثرت في محمد الشاعر؟

الهجرة إلى كينيا كانت فرصة للاطلاع على الثقافة السواحلية ومدارسها الدينية العريقة حيث قربتني أكثر إلى البيئة العلمية السواحلية وعلمائها ومناسباتها فانخرطت فيها، وتمكنت باصطحاب علمائها من أجوب كينيا ومعظم مدنها وقراها وكذلك تنزانيا وزنجبار حيث زرت مع العلماء للدعوة مدنا عديدة شملت دار السلام وزنجبار وجزيرة بمبا الأقل شهرة والأكبر حجما من زنجبار، وكذلك مدينة موشي وعروشا وتانجا وكتبت في هذه المدن العديد من القصائد. وفي فترة وجودي في كينيا كتبت المطولات من القصائد في مناسبات المولد النبوي الشريف وحوليات الأولياء وفي استقبال العلماء من حضرموت، وكانت البيئة السواحلية الدينية تجتذبها مثل هذه القصائد فعرفت لديهم بـ «الشاعر الموهوب» لأن معظم العلماء هناك ينظمون الشعر ولكن يظهر فيها روح النظم أكثر مما يظهر فيها روح الشعر.

وكما أثرتْ فيّ هذه البيئة وجعلت شعري أكثر قربا إلى المناسبات كما جعلت مستوى شعري يرتفع حيث كنت أكتب القصائد لألقيها في حفلات كبيرة ويتلقاها العلماء العالمين بالشعر واللغة، بعكس ما كنت عليه في الصومال حيث كنت أكتب الشعر لنفسي وأصدقائي فقط، أثرتُ في طلبة العلم الذين يحاولون نظم الشعر حيث صحبت بعضهم لأصقل موهبتهم أكثر وأجعل شعرهم يتجاوز اللغة والبحر والقافية وهي المحاور التي يهتمون بها حين ينظمون، فبرز منهم فيما بعد شعراء ارتقت أشعارهم إلى مستوى مقبول من الشعر.

وفي هذه الفترة أيضا كتبت قصائد الشوق إلى الوطن والشكوى من الغربة.

لقبت بنزار إفريقيا، نسبة للشاعر السوري نزار قباني، ألا ترى أن في هذا تأطير وحصر لتجربتك الشعرية؟

هذا اللقب جاء من الصحفي المصري السعيد عبد العاطي مبارك الفايدي الذي لا أعرفه ولا يعرفني شخصيا، ولم يطلع على معظم شعري بل اطلع على ديوان مخطوط نقل إليه من قبل أحد الأصدقاء، وهو ديوان «لا تفطميني عن هواك حبيبتي» وهو كله غزل بالمحبوبة، ولا أراه وصفا دقيقا لشعري حتى الغزلي منه. فنزار قباني تجربة شعرية خاصة بمعجمها وصورها ويسرها إلخ. وأنا لا أسعى وراء لقب يربطني بشاعر معين، فلكل شاعر تجربته الخاصة.

في ظل العولمة، كيف تقرأ واقع النشر العشوائي الذي يعصف بالساحة الثقافية، من يتحمل المسؤولية الناشر أم الكاتب؟

النشر العشوائي مصيبة يتحملها الكاتب الذي يستسهل النشر والناشر الذي لا يضع معايير للنشر ولجنة متخصصة لمراجعة ما يقبل ومالا يقبل للنشر، وما يمكن أن يسمى شعرا أو أدبا حتى وما ينبغي أن يلقى في سلة المهملات. فقد برزت المنصات الألكترونية والشبكات الاجتماعية التي أتاحت للشاعر والكاتب الفرصة من التملص من مقص الرقيب وسلطة المتحكمين في النشر، وهذا جانب إيجابي، ولكن للأسف أيضا أتاحت الفرصة لكل من يرصف كلمات حتى دون الالتزام بقواعد اللغة الأساسية من أن ينشر ما يسميه شعرا وهو أبعد ما يكون عنه، ويصفق له أصحابه من أهله وشلة الحي ثم ينتفخ ويعتقد أن ما يكتبه سيعجب الجميع، فيجمعه ويقدمه للنشر. وهنا تأتي مسؤولية الناشر في فرز الجيد والرديء بإنصاف فلا يقدم مثل هذا الغثاء مضموما بين دفتي كتاب يشتريه القارئ، فللكتاب قدسيته لأن القراء يعتقدون أن الكاتب الذي يصل إلى النشر الورقي ويكون كتابه متاحا في المكتبات قد صار شعره وأدبه مقبولا وجديرا بأن يطبع ويقرأ.

ورغم أن معظم كتب الأدب ولا سيما الشعر لا يأتي بمردوده من المبيعات إلا أننا نجد بعض دور النشر يعتمد على الربح من الكاتب بدفع تكاليف الطباعة، وبعدها بيع الكتاب أم لم يبع فقد ربح الناشر واستفاد، وقليلة هي دور النشر التي تعلي من قدر الأدب ولا تقبل إلا الجيد.

تنقلت بين عدد من المهن في حياتك العملية أبرزها الصحافة والتلفزيون والتدريس، والترجمة، وأخيرا الوظيفة في البنك الإسلامي للتنمية، فأيهم كانت خصما على تجربتك، ولأيهم ينحاز محمد الشاعر ولماذا؟

أعتقد أن الوظيفة مهما كانت تحدّ من حرية المبدع، وتستهلك جهده خاصة إذا كانت الوظيفة تتطلب الكثير من الوقت كتابة التقارير ومتابعة المشاريع والبرامج. الصحافة والتدريس مع أنها وظائف أيضا إلا أنها أقرب إلى الإبداع لذلك كان إنتاجي وشعري بالعموم في المرحلة التي كنت فيها إعلاميا أكثر عمقا والتصاقا، ولم أكن أشعر بالفصام بين ما أقوم به وكتابة الشعر. لكن العمل في البنك الإسلامي للتنمية تستهلك الجهد والوقت وليست صديقة للأديب والمبدع، والكتابة فيها رسمية تعتمد على الأرقام والإحصائيات مما يعدّ عدوّا للشعر.

هلا فتحت لنا كوة ضوء على المشهد الشعري الصومالي المعاصر وأهم الأسماء المؤثرة فيه؟

أتوقع أنك تسألينني عن الشعر العربي في الصومال بالخصوص، أو أنني أود أن أركز في هذا الجانب طالما أن الحوار سيكون في مطبوعة عربية. وكلمة «المعاصر» إشكالية لأنها لا تحدد تاريخا معينا، وإن كان المقصود الذين عاصرتهم، فقد عاصرت الشعراء الأكبر مني سنا وكنت شابا صغيرا من بينهم وأذكر منهم عبد الرحمن الطويل وأحمد عمر الأزهري وعمر علسو وأحمد محمد الدولة وأحمد إيمان وأحمد عبدالله الوهاشي ومحمد رشاد، ومعظم هؤلاء الآن فارقو الدنيا يرحمهم الله ولم يبق منهم على قيد الحياة سوى أحمد محمد الدولة وأحمد إيمان. أما في الوقت الحاضر فيشهد الشعر العربي الصومالي فترة ازدهار بعد أن أتاحت له الشبكات الاجتماعية فرصة إظهار مواهب الشباب المتألقين، وهناك مقولة انتشرت في بعض الكتابات على الانترنت بأن ولادة جيل كامل في دول الخليج العربي بعد هجرة بعض الصوماليين إلى هذه البلاد هو الذي أعطى زخما للكتابة الإبداعية الصومالية بالعربية، وهذا ليس صحيحا لأن الواقع يكذبه فمعظم الشعراء الشباب لم يسبق لهم أن وطئت أرضهم هذه البلاد بل لم يخرجوا من الصومال، فما عدا ثلاثة أو أربعة من الشعراء الشباب الذين أعرفهم ولدوا أو عاشوا فترة من حياتهم في هذه البلاد وهم بالتحديد الشاعر والكاتب محمود عبدي الذي ولد في الإمارات و محمد محمود حرسي المولود في الكويت، و محمد الشاعر الذي ولد في إحدى دول الخليج ولا أذكرها الآن، يأتي عبد الوهاب محمد عثمان والذي ولد في كينا ودرس في المدينة المنورة، وهؤلاء الذين برزت وتكونت شاعريتهم في البيئة الخليجية. إلا أن هناك عددا من الشعراء قديما وحديثا لم يخرجوا قط من الصومال، ونجد اليوم شبابا لهم من الشعر المميز ما يجعلهم يمثلون الصومال خير تمثيل وأذكر منهم الشاعر المتميز والفقيه المتميز خضر بن حسن السعدي، الموجود في هرجيسا، والشاعر الخطاط المبدع إبراهيم حسين الذي يعيش في الصين، ثم الشاعرعبد المنّان إيمان والشاعر عبد الباري العلمي، وأحمد بظل، ومختار العمري، وزكريا حسين، وعبدالوارث آدم، وابن عمر البنادري، ومحي الدين بن أحمد، وعبدالحليم ابن السيد، وعبدالرحمن شري، ومحمد عبدالرحمن، و محمد محمود حرسي، ووغيرهم وغيرهم ممن لاتحضرني أسماؤهم الآن. ولولا ضيق المساحة لذكرت لكل منهم نموذجا من شعره.

ومعظم هؤلاء الشبان لم ينشروا ديوانا ما عدا محمد محمود حرسي الموجود في الكويت ونشر ديوانه الأول «مسافات ملونة» والشاعر عبد الوارث آدم الذي نشر ديوانه «وهج القناديل» وذلك أنه لم تتح لهم فرصة لذلك لعدم وجود دور نشر أو مؤسسات أدبية تقوم برعايتهم وتتبنى نشر إنتاجهم.

وهؤلاء الشعراء الشبان يكتبون بأساليب مختلفة لكنهم كلهم يكتبون الشعر الموزون المقفى ولا يكتبون الشعر الحر ومتمكنون من أدواتهم المعرفية ويمثلون صوتا حديثا في الشعر العربي الصومال.