«بناء الجملة في الشعر العربي المعاصر في الصومال».. أطروحة دكتوراه يتصدّر شواهدَها شعرُ محمد الأمين الهادي

صفحة عنوان أطروحة الدكتوراه

الصورة: صفحة عنوان الأطروحة

شارك:

«بناء الجملة في الشعر العربي المعاصر في الصومال: دراسة تركيبية» أطروحة دكتوراه في النحو، قدّمها الباحث يوسف أحمد محمد إلى كلية اللغات في جامعة المدينة العالمية بماليزيا، بإشراف الأستاذ المشارك الدكتور محمد صلاح الدين أحمد فتح الباب، سنة 1441هـ/2020م. ونُشر ملخّصها بحثًا في «مجلة اللسان الدولية» التي تصدرها الجامعة، العدد الحادي عشر (مارس 2021م). نقدّم هنا عرضًا لها، والأطروحة كاملة منشورة في «مكتبة نور»، وملخّصها في موقع المجلة.

تدرس الأطروحة بناء الجملة في الشعر العربي الذي كتبه شعراء صوماليون منذ عصر مقاومة الاستعمار إلى اليوم، فتقف عند القواعد النحوية التي يجري عليها هذا الشعر، وعند ما يطرأ على الجملة فيه من تقديم وتأخير وحذف ونفي، وما يطيلها من قيود وتوابع واعتراض، وما يربط عناصرها بعضها ببعض. وهي بذلك من الدراسات الأكاديمية القليلة التي جعلت الشعر العربي الصومالي نفسه موضوعًا للبحث اللغوي، وأرادها صاحبها ردًّا لبعض حقّ هذا الشعر، ودليلًا على رسوخ العربية في منطقة حوربت فيها لغةً وكتابةً واستعمالًا.

ومع أن الأطروحة تتناول سبعة شعراء، فإن شعر محمد الأمين محمد الهادي هو أكثر ما استشهد به الباحث، حتى تكاد الدراسة في كثير من فصولها تكون قراءة نحوية في شعره.

موضوع الدراسة ومنهجها

اتّبع الباحث المنهج الوصفي التحليلي، فجمع ما توافر لديه من شعر الشعراء الصوماليين المعاصرين، ثم اختار منهم سبعة، ووزّعهم على ثلاث طبقات تمثّل حقبًا متباعدة ومدارس مختلفة في الفكر والاتجاه:

  1. المتقدّمون: السيد محمد عبد الله حسن زعيم حركة الدراويش، والشيخ عبد الرحمن بن عبد الله المعروف بالشيخ صوفي، والشيخ أويس بن محمد البراوي، وتلميذه عبد الله بن معلم يوسف القطب.
  2. الطبقة الوسطى: عبد الرحمن بن عمر العلي.
  3. المعاصرون الأحياء: محمد الأمين محمد الهادي، وعبد الله بن علي الجوهري.

واختار الباحث المعاصرين لغزارة إنتاجهم وتنوّع مجالاته، ولأن لهم أثرًا ملموسًا في الحياة الاجتماعية، ولأن بعضهم تثقّف ثقافة واسعة خارج البيئة الصومالية. وتُفتتح الأطروحة بتمهيدين: الأول تراجم للشعراء السبعة، والثاني في عناصر بناء الجملة العربية الفعلية والاسمية. ثم تأتي أبوابها الثلاثة:

  1. عوارض التركيب في بناء الجملة: التقديم والتأخير في الجملتين الاسمية والفعلية، والحذف بصوره المختلفة كحذف المبتدأ والخبر والفعل وحرف النداء، والنفي بأدواته: ما، ولا، وإن، ولم، ولن، وليس.
  2. إطالة بناء الجملة: تطويل المبتدأ والخبر بالإضافة والنواسخ والموصولات، وطول التقييد بالمفاعيل والحال والتمييز والجار والمجرور والاستثناء، وطول التبعية بالنعت والتوكيد والبدل والعطف، وطول التعدّد، وطول الاعتراض.
  3. ترابط عناصر بناء الجملة: العلاقة بين المبتدأ والخبر وبين الفعل والفاعل، وترابط مقيّدات الفعل والتوابع بمتبوعاتها، وترابط عناصر المركّب الاسمي.

شعر محمد الأمين الهادي في الأطروحة

خصّ الباحث الشاعر بترجمة في تمهيد الأطروحة، ذكر فيها مولده في براوة سنة 1967، وعمله في صحيفة «نجمة أكتوبر» محرّرًا للشؤون الأدبية والثقافية منذ 1985، وهجرته بعد انهيار الدولة إلى ممباسا بحرًا، ثم إلى بريطانيا ودراسته في جامعتي ميدلسكس ولندن، وتأسيسه شبكة الشاهد الإخبارية. وعدّه «من أشعر الصوماليين المعاصرين»، وذكر أنه يحمل همّ الأمة الإسلامية ولا يفتأ يتناول قضاياها العامة.

أما في متن الأطروحة فشعره أكثر الشعر شواهد. فبإحصاء تقريبي لحواشي الشواهد نُسب إليه نحو 140 شاهدًا من أصل نحو 330، أي قرابة ضعف ما نُسب إلى الشاعر الذي يليه، وهو عبد الله القطب (نحو 70 شاهدًا)، وأكثر مما نُسب إلى الشعراء الأربعة الذين بعدهما مجتمعين. ويرد اسمه في أكثر من 180 صفحة من صفحات الأطروحة. وقد أخذ الباحث هذه القصائد من كتابه «الشعر والشعراء من الصومال» (غوتنبرغ، السويد، 2013).

واستشهد الباحث بقصائد الشاعر في أغراض مختلفة، منها:

  • رثاء الشيخ أحمد ياسين، وقصائد الانتفاضة الفلسطينية ونقد اتفاقيات التسوية.
  • قصيدة «الرحيل إلى المتاهة» التي كتبها على السفينة المتجهة إلى ممباسا، وقصائد الحنين إلى الوطن والفخر بحبّه.
  • قصيدة «بوركت يا ولدي» في مولوده الأول، وأبيات الوصية له حين كبر.
  • ذمّ العصبية القبلية في قصيدة «صنم القبلية»، ودعوة الأمة الصومالية إلى الوحدة والفضيلة، ومخاطبة المجاهد السيد محمد عبد الله حسن.
  • الغزل والتشبيب، ومنه تخيّل صورة المحبوبة فوق جبل كليمنجارو، ومواساة الأصدقاء ومعاتبتهم.

نماذج من تحليل الباحث

في باب افتتاح الجملة الاسمية باسم الاستفهام يستشهد الباحث بمطلع قصيدة «يا صديقي»، ويُعرب «ما» اسمَ استفهام في محل رفع مبتدأ:

مَا لِعَيْنَيْكَ تَرَى مَا لَا يُرَىمَا لِقَلْبٍ فِيكَ يُحْيِي مَا انْدَثَرْ؟

وفي باب النداء يقف عند أسلوب التعجّب في قصيدة «بوركت يا ولدي»، التي كتبها الشاعر حين رُزق أول مولود:

هَلْ صِرْتُ أُدْعَى وَالِدًا وَأَبًا لَهُيَا لَلسِّنِينَ .. أَتَتْ بِكُلِّ جَدِيدِ

وفي باب تقييد الجملة بالمفعول به يستشهد بقصيدة «الرحيل إلى المتاهة» على مجيء المفعول به ضميرًا، ويستشهد في باب التوكيد بقوله من القصيدة نفسها، ويُعرب «كلّها» توكيد إحاطة للمدائن:

سَأُعِيدُ رَسْمَ مَلَامِحِ الْمُدُنِ الَّتِيقَدْ غَالَهَا غُولُ الْمَجَازِرِ وَالخَنَا
وَطَنِي أَطُوفُ عَلَى الْمَدَائِنِ كُلِّهَارَكْضًا وَأَحْمِلُ وَجْهَهُ الْمُتَغَضِّنَا

ولا يقتصر الباحث على الوصف، بل يناقش أحيانًا. ففي بيت «قد مضى عهدُ شبابٍ كلُّه» من قصيدة «يا صديقي» يذكر أن جمهور نحاة البصرة لا يجيزون توكيد النكرة بغير لفظها، ثم يرجّح جوازه إذا كانت النكرة محدودة تحصل بتوكيدها فائدة، ويرى مع ذلك أن الأَولى تعريف المؤكَّد.

أهم أفكار الدراسة ونتائجها

  1. دراسة رائدة: لم يجد الباحث، فيما اطّلع عليه، من سبقه إلى دراسة بناء الجملة في هذا الشعر. فأجرى دراسة نحوية تركيبية على ما يزيد على ثلاثمئة بيت لم تصل إليها يد الدارسين من قبل، وأرادها طليعةً لدراسات لاحقة.
  2. العربية أصيلة في الصومال: تكشف الدراسة عمق جذور العربية في المنطقة منذ ما قبل الإسلام، وتُبرز أن محاولات الاستعمار الأوروبي لاقتلاعها باءت بالفشل، لأن الشعراء والأدباء لم يتركوا للعدو فرصة لتنفيذ أجنداته.
  3. إنصاف شعراء مغمورين: تُخرج الدراسة شعر شعراء لم يُعرفوا خارج بيئتهم إلى دائرة البحث، وتجلو ملكاتهم وطريقة حبكهم للشعر.
  4. الصنعة النحوية: يقوم الشعر الصومالي المعاصر في أغلبه على صنعة نحوية وصرفية واعية، ومن أبرز سماته أنه واضح العبارة، جارٍ على القواعد، سهل الألفاظ، لا يحتاج إلى فكّ طلاسم.
  5. الالتزام بالعروض: هذا الشعر ملتزم بأوزانه وقوافيه في عمومه. ولم يخرج عن ذلك إلا قليل، كالشيخ أويس البراوي الذي كثر في شعره الخروج على القواعد النحوية والعروضية. وتظهر الدراسة الفروق بين الشعراء في سلامة لغتهم ووضوح عبارتهم.
  6. التوصيات: العناية بالتراث العربي الصومالي نظمًا ونثرًا، والتصدي للحملات التي تستهدف العربية في البلاد، والترجمة للشعراء النابغين، وإخراج العربية من لغة النخبة إلى لغة الشعب، ومواصلة البحث في الشعر الصومالي لإحيائه.

اقرأ الأطروحة كاملة (PDF) في «مكتبة نور»